#2 كتب


From: http://hearttandbrain.tumblr.com/

لا أعرف كيف ولا من أين أبدأ عندما يكون الحديث عن الكتب. لا أريد أن أكرر ما قاله آلاف أو ملايين من الناس عن الكتُب ولا أريد أن أجعل من وصفي للكتب كلام فارغ لا تستحقها كل كتب العالم. الكتاب هو حديث مع شخص ولكن بدل أن يكون الحديث صوتي يتحول إلى ورقة وعليها الكثير من الأحرف والكلمات. وأستغرب كيف يتم وصف القارئ النهم بأنه منعزل وليس لديه أي أصدقاء؟ بل أنا متأكد أن أصدقاء القارئ أكثر بكثير من أي إنسان لم يمسك بأي كتاب. وأذكر هنا الحوار الجميل الذي حصل بين مات ديمند وروبن ويليمز في فلم Good Will Hunting :

Sean: Do you have a soul mate?
Will: Define that.
Sean: Someone you can relate to, someone who opens things up for you.
Will: Sure, I got plenty.
Sean: Well, name them.
Will: Shakespeare, Nietzsche, Frost, O’Conner…
Sean: Well that’s great. They’re all dead.
Will: Not to me, they’re not.
Sean: You can’t have a lot of dialogue with them.
Will: Not without a heater and some serious smelling salts.

كيف تستطيع تحويل مكانك إلى حديقة خيالية؟ كيف تستطيع الإحساس بجرح جندي في معركةٍ ما؟ كيف تستطيع الإحساس بأم فقدت طفلها؟ كيف تستطيع معرفة شعور الركوب على حيوان خيالي يحملك بطرف جناحيه في السماء؟ كيف تستطيع الإحساس بنعومة فتاة ومعرفة ما يدور في عقلها تجاه الحياة؟ كيف تستطيع معرفة زيف وكذب رجال الأعمال أصحاب البدل الفخمة؟ كيف تستطيع الإحساس بالفقير المتواجد في نيجيريا؟ كيف يمكن لك أن ترى ما يراه المسافر إلى بلاد تركستان وتشعر بكل نسمة هواء كما يشعر هو؟ كيف يمكن لك أن تفهم طريقة عمل الآلة الجديدة وقصة مخترعها؟ كيف تستطيع معرفة الظلم لشعب ما في العالم؟ كيف يمكن أن تعيش أيام الأندلس وتلبس العمامة وتحضر مع العلماء والفقهاء وتستمع إلى دروسهم؟ كيف يمكن لك أن تنبهر بفلسفة فرنسي صغير في القرن الثامن عشر؟ كيف يمكن أن تعيش مع فقراء بريطانيا في القرن التاسع عشر؟ كيف يمكن أن تفهم نفسية الطبقة الأرستقراطية في أسبانيا قبل مئة عام؟ كيف يمكن لك أن تشعر بحرارة رمال الصحراء في ليبيا قبل التطور وظهور الآلات؟ كيف يمكن أن تعرف تجربة الثائر في الهندوراس؟ وكيف يمكن أن تفهم عقلية لعبة ما في البرازيل؟ كيف يمكن أن تشعر بالخوف من القتل في المكسيك؟ وكيف يمكن لك أن تشاهد عمليات الإبادة في أمريكا؟ كيف يمكن أن تعرف عن ظلم أب لإبنته في الصين؟ وكيف يمكن أن تفهم العلاقة بين الزوج وزوجته في موزنبيق؟ كيف يمكن لك أن تسمع عن حكايات المصرين القديمة؟ كيف يمكن لك أن تفهم التحول الإقتصادي في إيران؟ كيف يمكن لك أن تشاهد ظهور ديانة ما وتراجع أخرى في هذا العالم؟ كيف لك أن تعرف عن المخادعيين والنشالين؟ كيف لك أن تشاهد ما يشاهده السجين داخل الزنازين؟ وكيف لك أن تعيش مع شاب مصاب بعد الحرب العالمية الثانية يستلقي تحت شجرة ينتظر الموت؟ كيف لك أن تفهم هتلر؟ وستالين؟ لينين؟ وعبدالناصر؟ وفيصل؟ كيف عرفت أن ابن سينا كان طبيباً؟ وكيف فهمت فلسفت ابن رشد؟ كيف يمكن أن تعرف طعم الخمرة في المغرب؟ وكيف عرفت عن صوت العود والألحان في سوريا؟ كيف وكيف وكيف ..؟
بعد أن تدخل إلى كل هذه العوالم وأنت فقط ممسكًا بورقات عليها بضع كلمات لا يتجاوز سعرها في كثير من الأحيان الثلاثون ريالاً، هل من الممكن أن نسمي هذا القارئ وحيداً، مجنونًا، منعزلاً؟ ألا يحق لنا أن نفهم أن هذا القارئ لا يستطيع إيقاف نهمه وجوعه تجاه معرفة كل ما يحدث في هذا العالم. إنه يريد أن يعلم عن كل شيء والحقيقة يجب أن نشفق على هذا القارئ في أمر وحيد هو أنه كل ما تعمق في هذه الكتب كلما فتحت له أبواب جديدة فيزداد نهمه أكثر ويصبح كالمدمن لا يستطيع الإنفكاك عن الكتب. وإن مر يوم أو يومين ولم يقرأ شيئًا يشعر بأن الحياة كئيبة مملة، لأنه شعر بما لم يشعر به غيره.
مشكلة القراءة بالنسبة لي أنها تجعل منك حراً. والحرية تجعلك تعيساً اليوم. إذا تذوقت طعم الحرية عن طريق كتاب لثوار قبل مئات السنين تصبح حراً، ولكن حين تضع الكتاب على الرف تجد أن حريتك لم تكن سوا في الساعات التي قضيتها وأنت تعيش الحرية مع هؤلاء الثوار قبل مئات السنين. عندما تعيش قصة حب مع فتاة في كتاب وتذوق حلاوة الحب معها وما ترسل إليك من أشعار وطرائف، تنتهي هذه القصة سريعًا ولا تجدها إلا في الساعات التي قضيتها وأنت تقرأ ذاك الكتاب. لا يستطيع القارئ الإنفكاك عن مقارنة الواقع بما هو موجود في الكتب وإن كانت تختلف درجة واقعيتها في الكتب، إلا إنه مجبر على المقارنة، لأنه لم يكتب هذه الكتب إلا بشر مثلنا. فالسعادة في الكتاب تعاسة في الحياة. والحزن والظلم والقهر والذل الذّي يكتب في الكتب “حاد على أصحاب تلك الكتب” كما وصفت لي إحدى الصديقات عن ورق الكتب وأنه حادٌ عليها جداً، وما أجمله من وصف. هي فعلاً حادة ولكن القارئ لا يستطيع الإنفكاك عنها أبداً. الكتب هي حياة القارئ، فلا سفر ولا عمل ولا ذهاب أوعودة أو إنتظار إلا والكتاب حاضر.
في النهاية، أرسل لي صديق عزيز بريد عنوانه “ Why you should date a girl who reads?” وكتب قبل أن يعطيني المقال للكاتب ميلودي قادفريد “طبعاً على سنة الله ورسوله !”

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>