شذرات الساعة الثالثة صباحاً

-1-

أميركا ل ربيع جابر
tumblr_o61ie16seG1qanrqko1_500

لا يكتفي ربيع جابر بأن تعطيه عصرية يوم الجمعة ليفسد مزاجك، وذلك بعد نومة طويلة ووجبة غداء مشبعة اختتمت بكعكة مخلوطة بشيء من البوظة مع قهوة بلون وجه أوباما، فلم اقرأ منذ مدة طويلة رواية فيها ركاكة وضعف بقدر ما قرأته في العشرين صفحة الأولى من روايته “أميركا”. عادت لي الأيام الماضية بالحنين للرواية العربية كما أتصورها لدى قرائتي لشخصية محسن العاشق للنساء، الذي لا يتوقف عن مغازلتهن، في روايات توفيق الحكيم. أو لرائحة العرق الغزير الذي يغطي الفتوات في هياج خارج مقهى صغير في طرق أحد الأزقة لدى نجيب محفوظ. لكن اصرار ربيع جابر على أن يخالف الجميع (وهو أمر حسن للحداثيين) بصورة قبيحة فتبدأ تقرأ اربعة فصول بدون أن تخرج بشيء، وهذا عائد لمفهوم الرواية عند ربيع.. حيث التلذذ بوصف اسنان احد الشخصيات العابرة بأنها صفراء ويملؤها السوس وغير متساوية .. الخ، أو لفستان الشخصية الرئيسية التي وصلت تواً، بدون أن نعرف ما هو أهم من الفستان الذي حتى وصفه لا يوحي بشيء.. ولذلك أقول أن ربيع جابر مفتون بتفاصيل التفاصيل التي يقرأها في الروايات، بدون أن يلتقط أهمية الصورة الكبرى لنا كقراء.. لا يكتفي ربيع جابر بهذا الخطأ. ففي الصفحة الثامنة عشر يكتب توضيحًا جعلني اتردد ما اذا كان كاتبنا في كامل قواه العقلية. فيقول:

الخال نظر إليها وهو لا يفهم (سيلاحظ القارئ أن هذه المواقف تتكرر كثيراً في هذه الرواية. والسبب ليس اللغة: هي وخالها يتكلمان العربية، باللهجة الدارجة ذاتها الشائعة في جبل لبنان في تلك الفترة، ومع هذا تبدو اللغة عاجزة عن إيصال المعنى).

أنا مصدوم من كاتب فاز بالبوكر يكتب هذا التوضيح في رواية! ولذلك أقول أن ربيع جابر فهمه للرواية جعل روايته هذي (وهي أحد أشهر ثلاث روايات له وأعلاها تقييمًا، ولا ندري كيف سيكون الحال مع باقي رواياته) تظهر لنا بهذا الشكل الركيك. لأنه لا يؤمن بأن الرواية لديها القدرة على أن تقول ما في التوضيح بدون أن يوضح لنا ذلك. لا يفهم الرجل أننا من الممكن أن نفهم هذا الموضح من قبله عبر مواقف وحوارات شخوصه. بل افسدها علينا، محاولاً أن يكون ذكياً بفكرة أن الشخصيتان عاجزتان عن ايصال المعنى. قتل جمال الرواية، واكتفى بجمال التفاصيل الذي سيظهر رتيباً بكل تأكيد ما لم يكن هناك صورة كبيرة تدور هذا التفاصيل حولها. وهذا ما تدور حوله الرواية، امرأة يأخذ بيدها ربيع جابر ليقذفها في وسط الكثير من المشاكل والمصائب والحروب وهو يتلذذ بوصف التفاصيل التي يحبها. ثم ماذا؟ لا شيء..

-2-
ملايين تتحول إلى فواتير كشوفات طبية لموظفين جدد
تعرض مواطن سعودي يحمل كيسًا كبيراً، عليه شعار احدى البنوك المحلية إلى عملية اعتداء، حيث قام أحدهم بسحب الكيس من يده وهو يمشي على قدميه في شارع المعذر في مدينة الرياض ظهر اليوم، وركض الجاني إلى سيارة مليئة بمقيمين يشتبه بجنسياتهم من الجنسية الافريقية، حيث -وياللغرابة- قام الجاني بإلقاء الكيس عندما اكتشف انها مجرد أوراق، ليس بها أموال. وعند سؤال المجني عليه عن التعرض له قال: الحقيقة أن الجاني محترم، حيث ترك لي الفواتير حتى يكتمل اجتماعي، فبدونها لا أستطيع مقابلة شركة التأمين لأثبت أن للبنك مبالغ متبقية لهم، كما إني احترم في الجاني قدرته على السرقة في وضح النهار، وقت الظهيرة، في أكبر شوارع الرياض، وأمام مبنى البنك الفرنسي، الذي كان من الممكن أن يتم تصوير الجناية كاملة. أما بما يتعلق بذكرك لحمله سكينًا وقتلي، فنعم، أعتقد أنه من المحزن أن تموت في سبيل فواتير كشوفات طبية لموظفينك الجدد، لكن اشكر الجاني من هذا المنبر على بجاحته وكرمه في رمي الفواتير إذ لو أخذها معه، لكلفني الأمر سبعمائة حلف يمين لمديري على أن الفواتير سرقت، ولرجوت أمن البنك الفرنسي بأن يرسل لي مقطع الاعتداء، ولكن أكرر شكراً للجاني.

قصة حقيقية حصلت اليوم بتاريخ 26/1/2016

-3-

فهد خليف

fahad

مرة كنت اسمع لناقد فني عراقي في مقابلة، وكان الحديث عن الفن العربي المعاصر قال كلمة مهمة وعلقت في بالي وهي إن الفن العربي توجه إلى كل أنواع الفنون الحداثية وترك الرسم. وفعلاً، كل الفنانين اللي اشتهروا عندنا كانوا متجهين هالتوجه، فنون بعيدة عن الرسم تمامًا. وشخصياً ما كانت قريبة إلى قلبي. لكن هاللوحات للفنان الجميل جداً فهد خليف عكست كلام الناقد العراقي، وأصابت قلبي. من أول ما وقعت عيني على أول لوحة له، بحثت عن باقي أعماله وكانت شيء ساحر ساحر. رسماته عبارة عن شلالات طولية لمباني وبشر.. غير سلسلة خيول الحلم اللي رسم فيها الخيول بطريقة تأسر القلب. فهد فنان من الطراز الأول، له أسلوبه الخاص، اللي لها لمسة عربية وبنفس الوقت حداثية. مثل هالأمور صعب تخلطها جميع، وإن دل فهو يدل على إن بيننا فنان متمكن يرسم بهذا الشكل على لوحات حجمها كبير جداً، فهي مرهقة ولاحظ إنها مليئة بالتفاصيل، غير إنه غزير الإنتاج. أصحاب الخط العربي عندنا والفنانين التشكيلين، هم ما زالو الأقرب إلى التواصل السريع مع الجمهور، الأعمال الغير تشكيلية – ليس جميعها طبعاً – ما زالت بعيدة عن القلب لأنها تركز على الغرائبية والخروج عن السائد أكثر من إظهار صورة جميلة بغض النظر عن أي مدرسة فنية الفنان يتبعها. إلا إن الذكاء يكمن في إن الغريب يكون تحت وشاح الجميل وليس العكس. حضور معرض للفنان فهد خليف أصبح من الضروريات حتى نشاهد مثل هذا الجمال بحجمه الطبيعي. والله أعلم. حساب الفنان فهد خليف في انستجرام: @fahad_kholai

-5-

لا آحد ينام في الاسكندرية ل إبراهيم عبدالمجيد

tumblr_o6bdo0vuVZ1qanrqko1_r1_500

 بعد ما فاز كتاب له بجائزة زايد للكتاب، كان أول مرة يمر علي اسمه. فبحثت ووجدت أن هذا العمل هو أشهر ما كتبه إبراهيم عبدالمجيد .. واستكمالاً لمشروع الاطلاع على الروائيين العرب المعاصرين، بعد القطيعة لفترة طويلة نوعاً ما الا من نجيب، تجد أن ابراهيم هنا يرغب بأخذك للاسكندرية زمن الحرب العالمية الثانية ويعطيك هذه المدينة بعينيه هو. هي رواية للاسكندرية، وفعلاً استطاع ابراهيم أن يوصل لك نسمات الاسكندرية وخفتها ولذاذتها وطعم المشي في شوارعها وأزقتها، ورمضانها وأعيادها المسلمة والمسيحية، ومجرميها وحرميها ومقاهيها وناسها بشكل خفيف جداً على الروح، وكأن الاسكندية مدينة عبارة عن سحابة ترتفع بضع امتار عن الارض. المشكلة الوحيدة هو ان الطعم هذا ما يثبت معك، الخفة كانت مقصودة من الكاتب، لكن هناك شيء مفقود، ويصبح هالشعور بالخفة تكرار ممل من بعد المنتصف، لانها الركيزة الوحيدة اللي اعتمدها. فيجيك شعور ان فيه خواء بالرواية وما فيه مادة صلبة متماسكة تخليك تكمل الرواية الا حباً بالشعور اللي ذكرته. رواية جيدة بالعموم.

-خاتمة-

كنت سأكتب عن الغيطاني، وأخصص جزءاً لنُصيب الذي ورد ذكره في كتاب الأغاني .. وبما أن الاثنين يحتاجان إلى مساحة أكبر فلعل الله أن يعينني على الكتابة عنهما بالشكل الذي يوصل حقاً ما شعرت به من خلال دفاتر وروايات الأول، ومواقف وأبيات شعر الثاني.

على قدميك في فاس القديمة

IMG_20160224_142850

يوم الجمعة صباحاً، سألت صاحبة النزل أين مكان مسجد القرويين راغباً في حضور صلاة الجمعة التي ستكون بلا شك مختلفة في فاس وخصوصاً في ذلك المسجد. أخرجت الخريطة التي سلمتني اياها، وهي خريطة لا ترى فيها شيء، سيئة الدقة يتوازي فيها خطين عريضين تقول أنهما الشارعان الرئيسيان في فاس. وقالت لي ببساطة: فقط اسلك الشارع الرئيسي هذا، واتجه إلى اليسار وستجد المسجد على يمينك. خرجت عند الحادية عشرة، خرائط قوقل طبعاً لا تعمل في المدينة القديمة في فاس حيث مسكننا. خرجت وسلكت الطريق الرئيسي وأنا منتشيًا من فكرة أني سأحضر الجمعة في فاس .. وأين؟ في المدينة القديمة. مشيت وابتسامة فرح فيها شيء من خوف لا تغادر وجهي. مشيت لعشر دقائق، وإذا بي أقف أمام جدار يفترق معه الطريق إما إلى اليمين أو اليسار .. وهذه مشكلة صاحبة النزل أنها تعتقد أن جميع الناس سيتعاملون مع المدينة القديمة كما لو كانت هي تتعامل معها .. فكل شيء سهل، ففي أول يوم وعند وصولنا، استقبلتنا خارج المدينة، ومعي حقيبة كبيرة تزن حوالي خمسة وعشرين كيلو، أجرها خلف هذه المرأة البلجيكية التي لا تتجاوز بالغالب الثانية والثالثين، وتأخذنا مرة يمنه ثم يسره، وكل دقيقة نقول ها قد وصلنا، إلا أننا نتفاجئ بأننا لم نصل .. تاهت المدينة في عقولنا ولم نعد نعرف من أين دخلنا وأي طريق سلكنا. وإذا استوينا واستقبلنا والديها، سألناها وقلنا لها: أي المطاعم لديكم قريبة؟ قالت هناك مطعم اسمه “مقهى الساعة” معروف في فاس ومراكش. وهو قريب جداً فقط اسلكوا الشارع الرئيسي وادخلوا أول زقاق عن يمينكم ستجدون المطعم على اليمين. مشينا، وكنا منهكين وقد استغرق وصولنا مدة خمس ساعات من طنجة إلى فاس بالقطار .. وكنا جائعين جداً .. سلكنا الطريق الرئيسي ولم نجد عن يميننا أي زقاق الا بعد مده، دخلنا، ولم نجد أمامنا إلا ممر يؤدي إلى شارع كبير آخر .. فتوقف طباخ يسألنا عن ما نريد فقلنا مطعم اسمه “مقهى الساعة” قال هو قريب .. ادخلو من هنا ثم ستجدونه. وفعلاً كان علينا أن نسلك طريقاً آخر ثم ندخل من زقاق ثاني حتى نصل له. أعود إلى طريق المسجد، فقد عرفت أن السيدة المحترمة تأخذ مسألة الطرق بسهولة أكثر من اللازم .. فلماذا اجد الطريق ينسد أمامي إذا كان من المفروض أن أجد المسجد عن يميني من قبل؟ اتجهت يساراً .. وكنت أحاول تذكر طريقي جيداً حتى أتمكن من العودة، فتوقفت وسألت أحد الباعة: أين مسجد القرويين؟ قال اكمل طريقك وستجده عن يمينك .. اكملت الطريق واذا بي أمام مفترق طرق مرة أخرى، فسلكت الزقاق الأكبر عن اليمين، حيث لا يمكن ان يكون المسجد إلا على زقاق كبير. واذا بالمسجد الآخاذ عن يميني. دخلت المسجد والصف الأول لم يكتمل، عرفت أني أتيت مبكراً، وروحي تحلق إيمانناً، إذ أنك لا يمكن أن تزور فاس بدون أن تشعر أن الله أصبح أقرب إليك من قبل أن تدخلها. صليت ركعتين، واسندت ظهري على أحد أعمدة المسجد .. وجلست أذكر الله وأستشعر ما أنا فيه من نعمة المكان. مرت دقائق، حتى قام كبار السن في المسجد المجتمعين في المقدمة بقراءة القرآن بصوت واحد وبقراءة أقرب إلى النشيد. وجلست استمع لهم لنصف ساعة أو تزيد، حتى اذا فرغوا، قرأ أحدهم القرآن بتلاوة لا تسمع أعذب منها. فانتهى من قرائته وجاء الخطيب .. وأذن مؤذن من خارج المسجد .. ثم آخر من خارج المسجد أيضاً .. فقلت الآن سيخطب .. وإذا بمؤذن ثالث يؤذن من داخل المسجد. ثم قام الخطيب وأسمعنا خطبةً لا تقل في وعظها ولا تزيد عن ما عند خطبائنا. وقرأ لنا في الصلاة من قصار السور. وانصرفنا جموع نخرج من المسجد وإذا بالمساكين والفقراء ينتظرون المصلين الخارجين بلباسهم المغربي ليعطوهم في هذا اليوم المبارك فتحل الرحمة والسعادة على المعطي والمعطى له.  حاولت أن اتذكر طريق العودة وعرفت أن طريق العودة لن تكون سهلة، سلكت الطريق الأول بشكل صحيح، ولكني نسيت الطريق الذي أوصلني إليه.. وأهل فاس يعرفون السائحين والغرباء من وجوههم، فأهل فاس يعرفون بعضهم البعض .. فاوقفني شاب، لا تبدو على وجهه أي علامات البراءة أو الطيبة .. ولكن ما رأيته من أهل المغرب ككل، جعلني أثق به. فقلت أني اسكن دارًا قرب دار الياسمين، فعرفها، وبدأت أمشي خلفه، وإذا به يسلك بي طرقاً ليست كالطرق التي سلكتها، وعرفت أنه أتى بي من طريق مختصر .. فجلست أمشي خلفه قرابة الخمسة عشر دقيقة. حتى إذا وصلنا، قال لي أنا أريد أن أعمل عمليات تجميل، ذلك أن وجهه يشبه من دخل في قتال مع مجرم وشق له وجهه أكثر من مرة. قلت انتظر هنا، لا أملك أي مال في جيبي سأحضر لك من داخل الدار. ودخلت وأعطيته مبلغاً يسيراً، فاستنكر وقال: أنا أتيت بك من مكان بعيد؟ قلت: اليوم جمعة وهذا يكفيك. وما زلت لا أعرف لماذا استخدمت عبارة اليوم جمعة؟ عموماً ذهب وهو شبه راضٍ. وفاس مدينة عجيبة .. اقشعر لها جلدي، وذلك حيث كنّا نمشي مع صاحبنا المرشد والذي كان اسمه رشيد، حيث طلبنا من السيدة صاحبة النزل بأن توفر لنا من يرشدنا في فاس، فيرينا أهم معالمها. وإذا بها تتصل بأستاذ الجامعة رشيد. حيث استقبلنا وأخذنا مُرحباً بروح ودودة وطيبة جداً ليرينا المدينة القديمة لفاس. أقول كنّا نمشي وإذا بنا نجد بيت كُتب عليه “للبيع”، فأثارني الفضول بعد ما علمت بأننا نسكن مع عائلة بلجيكية، وبأن عدد لا بأس به من الأجانب تملكوا بيوتاً هنا، وحولوها إلى دور تكون مصدر رزق لهم. وهذا ليس في فاس فقط بل حتى في طنجة. فقلت لرشيد: بكم هذا؟ قال لا نستطيع أن نعرف! قلت: ولماذا؟ قال ذلك أنكم لو لحظتم بأن أبواب فاس كلها ومظهرها الخارجي واحد. وقد صدق، فالبيوت،والمطاعم، والمحلات الكبيرة، جميعها إذا أُغلقت أبوابها الخارجية لا يمكن أن تعرف بأن هذا منزل من أو مطعم من أو محل من؟ فقال: ذلك أن أهل فاس عندما قاموا ببناء فاس، انتبهوا إلى أنه لا يجب أن يكون هناك تفاخر بين الجيران في شكل المنزل من الخارج، بل يكون الاختلاف يكون من الداخل. وعليه، يجب أن تتصل بصاحب النزل وتدخله لتعرف حجمه وعدد الغرف ومساحتها. اقشعر معها جلدي وأنا واقفٌ ببابٍ لا أعرف إذا كان صاحبه غنيًا أو فقيرا! والأعجب من هذا، أنه مر بنا من عند النجارين الذين زينوا فاس بنقوشهم، وبالنحاسين والخياطين، ونحن نبتعد إلى جنبات الطريق حتى تمر الحمير وهي تنقل الأقمشة والخشب والموائد وغيرها. فطرق التنقل في المدينة القديمة هي قدميك والحمير، فتوقفنا أمام مكتبة القرويين. وهي مكتبة قديمة، قِدم فاس. رفض الحارس بأن يدخلنا، لأن المكتبة تحت الصيانة، فأصر عليه رشيد بلطف، فسمح لنا بالدخول. فدخلنا وتجولنا، ورأينا الكتب القديمة في الفقه والتاريخ والحديث والأدب .. وقلت للحارس من باب الفضول هل في المكتبة من شيء لم يحقق بعد ولم ينشر، قال: نعم، حيث أن هناك كتاب في الطب ولكنه مكتوب بالشعر! ثم قال لنا عشرة أبياتٍ أو تزيد من الكتاب، ونحن فاغرين نشاهد حارس مكتبة يحفظ شعر كتبها! وهناك صفة لا بد من كل زائر لفاس أن يلحظها، وهي أن أهل فاس ما زالوا يملكون حباً جمًا وفخراً بـ إدريس الثاني الذي أسس فاس وبناها. فصاحبنا رشيد ذكر لنا عن إدريس الثاني وأنه هو من أسس فاس، والسائق الذي أقلنا إلى “إفران” هو أيضاً قال لنا متسائلاً: تعرفون من أسس فاس؟ وثالثهم أيضاً يوم الجمعة الذي صليت فيها في مسجد القرويين، صاحب مطعم جاء ليأخذنا من الدار حتى يوصلنا إلى المطعم، ونحن نسير خلفه، فقال لنا: هذه فاس، أسسها إدريس الثاني، العرب العرب .. آه كيف كنّا وكيف أصبحنا. أنقل لكم ما قاله حرفياً، كان يتحدث معي بالفصحى، وكان همّ حالة العرب يهم من يعمل في المطعم أيضاً، وهذا والله، ما جعلني أؤمن بشكل قاطع أن العرب واحد وإن اختلفوا في مذاهبم وعاداتهم وغيرها، إلا أن هذا الهمّ وهذا التساؤل يتشاركه العرب جميعهم! حتى أنه رأى طفلتين مرتا وهما تتحدثان الفرنسية، فقال: انظر حتى أننا عدنا لا نتحدث العربية! دخلنا وأكلنا الكسكسي في يوم الجمعة، إذ حاولنا مراراً وتكرارًا أن نأكله في غير هذا اليوم إلا أن المغاربة بعمومهم لا يأكلون الكسكسي إلا يوم الجمعة. حتى المطاعم لا تقدمه لك إلا في هذا اليوم. وأستغفر الله لي ولأهل المغرب.

 

 

 

 

IMG_20160223_171859

 

IMG_20160224_143418

IMG_20160224_174152

 

IMG_20160226_154543

High and Low

منذ شهر تقريباً وأنا مسافر لليابان عن طريق استهلاك بعض من أشهر الروايات والأفلام اليابانية. لم أمسك بكتاب واحد أو فلم واحد غير ياباني سوا فلم “The Judge” الرديء الذي لم أستطع أن اكمله. قرأت حوالي عشرين قصة قصيرة لأكتاجاوا وسيكون له تدوينة منفصلة أو مشروع ترجمة لقصص من قصصة إذا سمح الوقت، فهذا الياباني هو من أجمل من كتب في القصة القصيرة. كما قرأت كتابين لتانيزاكي الذي لم أحببه كثيراً. واقرأ حالياً كتاب لكاتب ياباني بعنوان “الله والإنسان في القرأن الكريم”. أيضاً تفرغت لمشاهدة أكثر من خمسة أفلام بشكل متواصل للمخرج الساحر الذي أعتبره أحد المخرجين المفضلين الآن: ميزوجوشي وسيكون له هو الأخر تدوينة منفصلة متى ما تفرغت له.
ومع سيرة اليابانيين كنت سبق وشاهدت فلمين لكوروساوا، الأول هو “The Red Beard” وما وجدت فيه رغم شهرته الا ثقل وبطء لم اتقبله. والفلم الثاني كان رائع رغم ثقله والذي اقتبسه من قصة تولستوي “موت ايفان الياتش” وهو “Ikiru” وسبق أن كتبت تدوينة عن الفلم حيث قارنت بين الفلم وبين قصة لكامو. ما جعلني أعود لكوروساوا هو المقارنة مع ميزوجشي. فبعد نصيحة من بعض الزملاء لمشاهدة أفلام ميزوجشي، أغرمت مباشرة بالصورة والقصة واستهلكت اربعة أفلام أو خمسة أفلام بشكل متواصل. فهذا الرجل بدون شك ساحر وله نكهته اليابانية القحة. ولا أريد أن استنزف التدوينة بالمقارنة بين الاثنين رغم متعتها. إلا إن السر في شهرة كوروساوا على حساب ميزوجوشي تجعل هناك سبب لمشاهدة المزيد من أفلام كوروساوا، فقمت بتحميل مجموعة من الأفلام من بينها هذا الفلم الرائع المعنون ب “High and Low”:

نعرف عن كوروساوا أنه قام بتبني روايات لدوستويفكي وتولستوي وغيرهم في أفلامه. وهذا قد يعطينا منطق واضح في فهم سبب عظمة وانتشار بعض أفلامه. لكن هنا كورساوا أعاد خلق رواية ميتة ومنسية لكاتب أمريكي مغمور. تتحدث الرواية كما هو الفلم عن مستثمر في شركة أحذية اختطف المجرم ابن عامل لديه حيث اخطأ في أي الولدين هما ابن المليونير. وقام المختطف بالتهديد بقتل الابن في حال لم يقم المستثمر بدفع مبلغ وقدره ثلاثين مليون. القصة بسيطة وواضحة، وسردي لها لا يتجاوز كون الفلم شبيه بأفلام التسعينات وبداية الألفينيات الهوليودية. إلا أن كوروساوا كان مختلف جذرياً في خلق الجو. فالفلم ينقسم إلا جزئين، الأول مسرحي بامتياز، حيث يحضر المحقق وأفراد من الشرطة معه. ويستمر تصوير الثلث الأول تقريباً من الفلم كامل في غرفة واحدة فقط. ولكن التصوير هنا يأخذ شكله الهندسي وأعني بالهندسي حرفياً كوروساوا كان مهندساً لكل مشهد. فعلى سبيل المثال عندما كان المستثمر متردداً في دفع المبلغ لأن الابن ليس ابنه، تأتي زوجته لتحاوره وتزجره وتقول له بانك كنت ستدفع هذا المبلغ لو كان ابنك. في هذه اللحظة وعند تقدم الزوجة واقترابها من زوجها المستثمر نشاهد المحقق وطاقمه يبتعدون بصورة مقصودة وبديعة وساحرة عن الزوج لان هذا الأمر شأن عائلي لا علاقة لهم به. وعندما يسجد العامل الذي خطف ابنه للمستثمر راجياً اياه أن يدفع المبلغ لانقاذ حياة ابنه نشاهد جميع من في الغرفة يخفضون رؤوسهم بحركة موحدة وواضحة. لم يكن هذا الوضوح الهندسي في التحركات والجذب والرد إلا لأن الصورة كانت في الجزء الأول من الفلم عبارة عن بياض تام وواضح. وهذه الصورة توضح المقصد:

 هذا النعيم صورة من النقاء والبياض والمساحات الحرة. حيث يسكن المستثمر في أعلى منطقة من المدينة، والمختطف يستطيع أن يشاهده من عدة زوايا. بعد ذلك يخرج كوروساوا والذي ظننت أنه لن يخرج بكاميرته من هذا المكان أبداً إلى القطار حيث مشهد تسليم المبلغ. ثم يخرج لنا المخرج ثم يرينا الجزء الخاص بالمحققين. وهذا كان من أمتع مشاهد الفلم، أشكال المحققين، الغرفة المختنقة بهم وبحرارتهم، الفوط التي يمسح بها أفراد التحقيق العرق من صدورهم ورقابهم عند ادلاء المعلومات التي يملكونها. شخصية مساعد المحقق وصلعته وسمنته. شخصية المحقق الذكي والوسيم. هذا المشاهد كانت الفاصلة بين الجنة التي كانت كلها بياض (High)، ثم في النهاية ياخذنا إلى الجحيم حيث (Low) وعنوان الفلم (الجنان والجحيم) بالياباني.

لاحظ الجحيم مليئ بالتفاصيل. عالمين منفصلين استطاع كوروساوا أن يبين لنا الفرق بين العالمين بشكل لا يصدق. واستطاع أن يظهر لنا قدرته على تحويل فلم من قصة عادية متكررة مئات المرات بأشكال رديئة إلى تحفة فنية لا يمكن معها إلا أن تؤمن بأن الفنان الحقيقي يستطيع أن يعيد تشكيل أي حدث أو قصة ويعطيها روح وقوة إذا تمكن من فهم المفاتيح الخاصة بالأسلوب التي من خلالها يمكن أن يقدم عمل يستحق المشاهدة.
المشهد الأخير وانعكاس وجه الخاطف على وجه المستثمر والصرخة الأخيرة كانت بمثابة تثبيت وتخليد كوروساوا لهذا العمل في ذهن المشاهد. فلم كامل. من أول مشهد لآخر مشهد. وعمل عظيم من أجمل أعمال النوار التي شاهدتها إن لم يكن أجملها على الإطلاق.

بالعاميّ

مقتطفات من تعليقاتي على بعض الأفلام والكتب بتمبلر مر عليهم زمن ما عدا التعليق الخاص بكتاب كنوت هامسون “واخضرت الأرض” فهو كان يوم أمس. التعليقات بالعامية وما كان عليها تدقيق لا إملائي ولا لغوي ولا حتى فكري:

ما أعتقد إن هناك شيء يضاهي تعقيد العلاقات الإنسانية بين بعضها. لأن في إعتقادي إنها أحد أكثر الأشياء اللي أدقّ وأتفه التفاصيل والحركات العادية تؤثر فيها. كلمة، أو فعل،أو أي حركة ممكن تعقد المسألة أكثر، عشان كذا أُعجبنا بأفلام أصغرفرداي “الإنفصال” و”الماضي”. هنا دوستويفسكي له قصة قصيرة ما تتعدى السبعين صفحة لكن يا الله، كيف قدر يوصف هذه التفاصيل الصغيرة وكيف ممكن سوء تفاهم يؤدي إلى موت. وموضوع العلاقات وخصوصاً الزوجية منه، له مليون زاوية وزواية، وهو أكثر المواضيع اللي يشعر الإنسان فيها بأنه وحيد ومحد يقدر يفهمه لأنه ما جربوا اللي جربه هو أو هي. وهذي حقيقة، الزاوية تختلف دائمًا وأبداً. ولا وجود لتكرار أبداً أبداً في موضوع العلاقات، كل علاقة هي منفصلة بتفاصيلها الصغيرة جداً، عن الأخرى، لأن التفاصيل هذي هي اللي ترتفع على السطح والأمور الكبرى تغرق. هنا دوستويفسكي مجنون، لأنه أولاً ما فصل الماضي عن الحاضر وأقصد إن الشخصيات ماضيها حاضر في التفاصيل اليومية للعلاقة بين الاثنين بشكل تقدر تقول هو السبب (لاحظ تعقيد الموضوع هنا لا بداية جديدة بتاتاً ولا وجود لنقطة إنطلاق). وثانياً، لأن الشخصية أم الستطعشر سنة كانت حالة استثنائية في تركيبتها النفسية وهذا شيء طبيعي ومتعودين عليه من دوستويفسكي في تحويل ما يكتب إلى مرآية للقارئ. هذي كلها تخلي هذا العمل الصغير كبير وكبير جداً، يضيف لك شيء ما تقدر تعبّر عنه بتاتاً.
كنت أبختصر القصة وسوء التفاهم في اقتباس لإبراهيم العريس لمقاله له عن القصة، لكن أشوفه بيعدم لذة اكتشاف الحالة النفسية اللي الزوجين فيها.

* * *

لا يمكن إنسان يكتب قصة مثل “حبوبه” يكون شخص شرير. شخصية حبوبه اللي شكلّها تشيخوف في قصته مبكية مبكية جداً. ما قد تأثرت بقصة قصيرة بهذا الشكل من أيام قصص لويجي برانديلو، بس تشيخوف يا الله، يخليك تمسك دموعك بقوة. حبوبه امرأة لا تستطيع أن تعيش بدون حب، الفكرة لحالها جميلة وحساسة، بس شاهد لمسة تشيخوف وكيف يخلي حبوبه، الشخصية السمينة شوي وصاحبة الخدود الوردية، يوم تزوجت المسرحي كانت تؤمن فيه جداً، وكانت تؤمن بأفكار زوجها بأن الجمهور ما يفهم في المسرح وغبي ولو كانت المسرحية ساذجة كانت امتلئت كراسي المسرح، بعدها يموت هذا المسرحي، وتتزوج شخص يبيع خشب، وتحب هذا الرجل بكل ما تملك من قوة، فتساعده في الفواتير والحسابات وفي جودة الخشب وتناقش وتؤمن بكل ما يؤمن فيه زوجها، حتى يموت وتتزوج بيطري وهنا عمل حدث تشيخوف صعب أشرحه، لكن أخليه لك تقرأه، لأنه شيء مبكي مبكي .. والله لا يمكن فيه إنسان يقدر يرسم شخصية حتى لو خيالية مثل حبوبه، وبأخذ وصف تشيخوف لحبوبه لفترة انقطاعها عن شخص تحبه:

“كانت الآن وحيدة تماماً. فقد توفي والدها منذ زمن بعيدو وأصبح مقعده مطوحاً في المخزن العلوي يكسوه الغبار وقد فقدت إحدى قوائمه. وهزلت أولنكا (حبوبه) وقبحت، ولم يعد من يقابلها في الطريق ينظر إليها كما في السابق أو يبتسم لها. يبدو أن أفضل سنوات العمر قد ولت وأصبحت خلف ظهرها، وبدأت الآن حياة جديدة، مجهولة، يحسن ألا تفكر فيها. كانت أولنكا تجلس في أوقات المساء على الدرج، ويناهى إلى سمعها عزف الموسيقى وانفجار الصواريخ النارية في “التيفولي”، بيد أن ذلك لم يعد يثير لديها أية أفكار. وكانت تنظر بلا اكتراث إلى فنائها الخاوي دون أن تفكر أو ترغب في شيء، وعندما يأتي الليل تذهب إلى فراشها وترى في المنام فناءها الخاوي. وكانت تأكل وتشرب كأنما قسراً.
أما المهم، وأسوأ ما في الأمر، أنه لم تعد لديها أية آراء. كانت ترى من حولها الأشياء، وتدرك كل ما يجري حولها، لكنها لم تكن قادرة على تكوين رأي في أي شيء ولا تعرف عم تتحدث. وما أفظع أن تكون بلا أي رأي! ترى مثلاً زجاجة أمامك، أو المطر يسقط، أو فلاحا راكبً عربة، ولكن لأي غرض هذه الزجاجة، أو المطر، أو الفلاح، وما مغزى ذلك، هذا ما لا تستطيع أن تقوله، ولن تستطيع ولو دفعوا ألف روبل. عندما كانت أولنكا مع كوكين وبوستوفالوف، ثم بعد ذلك مع البيطري، كان بوسعها أن تشرح كل شيء وتدلي برأيها في أي شأن مهما كان، أما الآن فكان في أفكارها وقلبها نفس الخواء الذي في الفناء. وكان ذلك فظيعاً ومريراً كأنما أكلت حنظلاً حتى الشبع.”

إذا كان لكل فعل نظرية، ويجب أن تكون النظرية مثاليه حتى يكون التطبيق قريب من النظرية، أتمنى كلنا نرى الحب زي حبوبه. خمس طعشر صفحة صغيرة ما راح تمنعك من البكاء وتحس روحك خفيفة مع تشيخوف وشخصيته حبوبه من هنا صفحة ٣٥٧ بعنوان “حبوبه” واللي يفضل الإنجليزية هنا بعنوان “ذا دارلينج” وليلة سعيدة.

* * *

من فترة والكتب اللي تطيح بيدي هرائية بشكل محزن، إلى ما شريت الأسبوع الماضي قصة قصيرة في كتاب ما يتجاوز ثمانين صفحة لباتريك زوسكيند باسم “الحمامة” وكانت عمل مهب طبيعي، من أول سطر لآخر سطر كانت متماسكة وشخصية بطل القصة بديعة. غير إن زمن القصة في كونها قصير جداً، لكن مليئة بكمية مشاعر تشعر معها إن مشاعر الشخصية لها عقل منفصل عن عقل الشخصية ذاته. المشكلة إن العمل كان قصير، ومهب حاله إني بمر بنفس المدة الماضية من كتب هرائية أو أفكار مكررة. لدرجة أمس قرأت رواية عادية جداً، إن ما كانت سيئة وتعطيك فكرة عن كون الإنسان العادي ما يقدر ينتج عمل عظيم، لأن أولاً (وهذا له علاقة باقتباس قرأته لرولان بارت) إن الفترة الزمنية من التاريخ اللي نعيشها الآن، تجعل أي شيء تكتبه تافه ورديء، مهما كنت تعتقد إنه عظيم أو ثوري. وهذي (النظرية أو المقولة) أتفق معها بنسبة كبيرة. الشيء الثاني، كون عندك فكرة جيدة أو أسلوبك في الكتابة سلس، هذا لا يكفي إذا كنت فعلاً مهتم أن ما تنتجه يكون عمل عظيم. رواية مثل “النور المتلاشي” لتوماس غونزالس كانت شيء ممل، رغم إن  هاللاتيني أسلوبه سلس وخفيف، بس ما يكفي، وحياتك وتجربتك مع ابنك اللي كانت الرواية تدور حوله، لا تكفي. هنا المشكلة، فيه شيء مفقود في هالزمن، أي شيء يكتب سابقاً خصوصاً في القرن التاسع عشر وقبله أو بالأصح أي شيء كُتب قبل الحرب العالمية الأولى كان يعطي شعور مهما كانت تفاهة القضية اللي تدور حولها الرواية. لكن وبما إن الرواية تحمل في جوهرها زي أي عمل فني آخر شيء “ميتافيزيقي” فما أقدر أوصفه، لكن أقدر أقول إن الرواية الآن والعمل الفني بشكل يفتقد لهذا الشعور. مالكم بالطويلة، قررت أتجه لكتاب الدرجة الأولى واليوم وأنا احتري الغداء اللي كان عبارة عن كبسة مكرونة بلحم وسلطة سيزر قرأت عمل أعطاني هذا الشعور السحري اللي نفتقده اليوم. رواية “واخضرت الأرض” خمسين صفحة كافية إنها تقول تعال يا حبيبي .. تعال اقرأ أدب خالص. وحلّق

* * *

أمس شاهدت أفضل فلم رومنسي من عرفت السينما.

وبالضبط، الحب عنيف جداً. شخصية لورا بطلة الفلم كانت تقول في البداية، كنت في بيئة وديعة ومسالمة وراضية عن حياتي، وتقصد زوجها وبيتها وطفلينها، فجأة جاء هذا الحب وخطفها وأبعدها عن “الواقع” التفاصيل الصغيرة خلاها ديفيد لين تخرج لنا على السطح، التغيّر في شخصية البطلة، العذابات، الهواجيس، جابها بشكل ساحر. فيه مشاهد فاتنة، مثل المشهد قبل الأخير وكيف إن هذي العجوز الثرثارة اللي أعتبرها “الواقع” أفسدت لحظة الانفصال الأخير، ويجي في بالك تساؤل هل ممكن الحب رغم عذاباته والقلق اللي بداخله يظل أجمل من هذا الواقع الممل الروتيني؟
أما من ناحية فنية فالفلم آخذ في الجمال من لعبة الأبيض والأسود، والنور والظل، ومحطة القطار والبار. أما طريقة السرد وكأنها جريمة قام بها مجرم ويقوم بالإعتراف (مهب شيء غريب إن قصة حب نذكر فيها كلمات مثل متهم، عنف، جريمة وألم؟)  بشكل شاعري يأسر القلب وفيها حرارة وحميمية تخليك تنجذب لكل التفاصيل. بدون شك وبدون أدنى تفكير، أفلام ديفيد لين راح تتحمل كلها.

* * *

لي حوالي خمس أيام أفكر في فكرة لصديقة ذكرتها لي وهي: أن الإنسان في حد ذاته فعل جمالي. ردة الفعل عنده، حزنه، ضجره، بكاءه، سعادته، تصرفه كلها أشياء جمالية. وهذي الفكرة مسيطرة علي جداً، وبدأت تفسر أشياء كثيرة عندي ، وبديت أربطها بكثير من المذاهب مثل الصوفية .. الخ. عموماً، هالفكرة تظهر جليه للإجابة على سؤال: ليش نقرأ روايات؟ أو ليش نشوف أفلام؟ ما أجد أجمل من هذي الإجابة. وهو الفكرة اللي تو إن الإنسان نفسه وتصرفاته منبع جمالي. والروايات والسينما تحديداً، هي مساحة إننا نشاهد هذا الجمال بتفاصيل، ولا وش اللي ممكن يخلينا نندمج مع فعل درامي أو مشهد محاكمة .. الخ، وشخصيات تحزن وتضحك وتتصرف زينا تماماً، يعني ما فيه جديد، الفرق إننا نعيش الفعل الجمالي، والسينما والرواية تعطينا إياه بشكل مشاهد.
أورسن ويلز على سبيل المثال اللي في الصورة، الرجل مطلع على الأدب بشكل مجنون، وعنده كاريزما وصوت وكل شيء، حتى سمنته والسيقار لها مكانتها في كارزمنه، فقبل شوي كنت مع صديق وجالس يقرأ “القلعة” لكافكا معي، ويعرف إني معجب بأورسن ويلز، فأعطاني هالمقطع وهو قصة صغيرة حولها أورسين ويلز بصوته والجرافيك لعمل عرضه بداية فلم “المحاكمة” لكافكا اللي أخرجه ويلز، هنا دقيقتين بس اسمع الصوت وناظر كيف يعرضها ويلز بشكل تعرف إنه ماكل القصة أكل، وهنا طلاب في جامعة يتكلمون عن تصويره لفلم “المحاكمة” ممتع جداً. وطبعاً إذا أنت أول مرة تشوف أورسن ويلز شف مقابلته هنا وإذا ما أعجبك أتمنى تنهي العلاقة وتسوي لي أنفولو.
في النهاية، بين أورسين ويلز وكافكا ونظرية أن الإنسان في حد ذاته أمر جمالي الكثير. والحين بسهر على فلم ذا ثيرد مان.

* * *

أنا أعرف الرمزية في الشعر والرواية واللوحات، بس أول مرة أشوفها بفلم. من أغرب الأفلام اللي شفتها، الرمزية فيه عالية، كل مشهد نصف المعنى مختفي، ما هو واضح، ومع ذلك فلم عظيم جداً. يتكلم الفلم عن فتاة صغيرة هي وأختها في قرية شافوا فلم “فرانكنشتاين” في سينما القرية، ومعروفه قصة فرانكنشتاين برعب شخصيتها، وطول الفلم الأخت الصغيرة، الجميلة جداً بملامحها، تحاول تبحث عن روح فرانكنشتاين. طبعاً، الغريب قدرة المخرج على إستخدام أطفال أو طفلة كبطلة في فلم بهالثقل وبهالغرابة. دائماً الأطفال شيء بريء،، لكن قدر يوظف هالبراءة بشكل يخلي كل تصرفات الطفلة رنظرتها للأشياء مختلفة من بعد مشاهدتها للفلم. فلم غريب جداً، وجميل جداً، التصوير فيه عظيم. وتجربة جديدة عليّ  تماماً، فيه أفلام ثقيلة وما قدرت أطيقها وسكرتها، بس هذا كان فيه شيء جذاب خلاني أكمله للنهاية.

أنصح به للملاحيس

* * *

الفنان الواضح والجمهور المعقد

الفنان حالة استثنائية دائماً. طريقته في الحديث، الجمل التي تخرج من فمه، إجاباته، حركاته، ابتسامته، طريقة صياغته للجمل، فعل السحر الذي يسيطر عليك وأنت تشاهده، كل هذا إنعكاس تام لفنه. لذلك لطالما كانت مقابلات الفنانين والحديث معهم أمر آسر وسحري.

وقبل أن أعرج على حديث الفنان، شاهد معي عزيزي القارئ الصورة في الأعلى المعنونة بـ “زواج”، تأملها بروية. رسم الفنان الأمريكي آندرو وايث، فناني المفضل خلال هذه الأيام (الفنان الأول دائم متغير عندي، آسف)، هذه اللوحة بشكل متقشف. الألوان وواقعية الشكل تدعني أقول أن اللوحة متقشفة، وفي نفس الوقت االتقشف ذاته هو ما جعلني أقف مبهوراً أمام هذه اللوحة. هل هذا هو شكل الزواج فعلاً؟ لماذا عجوزين؟ ولماذا الزواج يرتبط بكبر السن؟ لماذا نائمين، وما دخل فعل النوم في الزواج؟ هل هما نائمان أصلاً؟ أم وافتهم المنية معاً وهم نيام؟ السكينة في الصورة من على وجه العجوز القريبة؟ النافذة المفتوحة على العالم الخارجي، ورمزيتها؟

نستطيع أن نأخذ كل تساؤل على حدى، وأن نجيب بشكل مطوّل جداً على الأسئلة أو نحاول ذلك، وأن يفسر كل منا ما يشاهده. لكن تجيب عن هذا حفيدة الفنان آندرو عن معنى ما يرسم جدها، وهي التي عملت منذ الرابعة عشر كمرشدة في متاحف فنية لأعمال جدها، بأن جدها لا يضع أي رمزية أو معنى في اللوحات، بل كان يستغرب من تعقيد الجمهور وحبّه الشديد لوضع معاني للوحاته، ومقاصد من خلف كل شكل، فالجد ذات مرة رسم لوحة فيها معطف معلق على الجدار، وتفاحة موضوعة على حافة النافذة، فجاء الجمهور وتسمعهم حفيدة الفنان يتهامسون عن معنى التفاحة والمقصد من المعطف، فكانت حفيدته تعود له وتسأل جدها هل فعلاً هناك معنى خلف التفاحة، فكان يجيب عليها بقوله: بتاتاً، كل ما في الأمر أن المنظر أعجبني ورسمته!

ونعود لحديث الفنان وسحر حديثه، يقول آندرو في أحد مقابلاته وقد يكون لهذا علاقة بأسلوبه المتقشف وألوانه الخشنة الكئيبة، بأنه دائماً يلجأ إلى إحداث صدمة في الناس من حوله حتى يحصل على الحقيقة.  فذات مرة مات له صديق، وأراد أن يرسمه، يقول ذهبت مباشرة إلى أسرته وطلبت منهم أن أرسم الميّت، بشكل مباشر وصادم، يقول أجابوني بنعم وعلى أعينهم الدهشة.

الحقيقة أني لا أستطيع أن أتفق مع آندرو وحفيدته بخصوص الشكل، وهذا مبدأ “الإنطباعيين” الجمال في الشكل. إلا أني لا أستطيع أن أشاهد في واقعية آندرو شكلاً فقط! ولا أريد أيضاً أن أحملها ما لا تحتمل، ولكن في لوحاته سرّ عجيب يلامسني بشدة، ولولا الخجل لقلت أن لوحاته تجعلني أريد البكاء، لكثرة ما تصيب شعور ما لا أعرفه. كل لوحات آندرو تدور حول هذا السر الذي لا أعرف كيف يصاغ إلا أني أشعر به تماماً. لوحة “زواج” هي أكثر لوحة تشعرك بهذا السر العجيب، ولو سمعني آندرو لضحك. ولكنني متأكد أن هناك شيء أكثر من الشكل في الوحة، إلا إن كان الشكل بذاته هو الذي يحركنا بكل هذه المشاعر! ولهذا أعتقد أن الثلاثة هؤلاء لا يمكن فهمهم ولو أُلفت في العلاقة بينهم ملايين الكتب (الفنان وعمله والجمهور).

أفضل الشتاء والخريف لأنك من خلالهما تشاهد الهيكل العظمي للطبيعة من حولك وشعورها بالوحدة، وبموتها في الشتاء. هناك شيء ينتظر خلف هذه الطبيعة، القصة لا تظهر كاملة. أعتقد أن أي شيء مشابه لها، وأقصد به قدرته على أن يظل ساكنًا وصامتًا، لديه القدرة على أن يُظهر شعور الإنسان بالوحدة. هل من الممكن أننا تعساء لأننا فقدنا فن الإختلاء والشعور بالوحدة؟

هل يكمن السر في لوحات آندرو الذي تحدثت عنه في وصفه هذا؟

عجوز كوروساوا وعجوز كامو

91F+0dV3lUL

قبل حوالي شهرين، التحقت بمادة “الفلسفة من خلال الأدب” في جامعة كامبريدج عن طريق الإنترنت. وكانت المادة عبارة عن مجموعة قراء تديرهم أستاذة حاملة شهادة الدكتوراة في الفلسفة، وتقدم لنا القصص التي يجب أن نقرأها تحت مواضيع معينة كل أسبوع، مثل “الحياة والموت” و”الواقع والخيال” .. الخ. في أول أسبوع، أعطتنا قصة لألبير كامو، ولم يسبق لي أن قرأت أي شيء لهذا الفرنسي. والحقيقة لا أحمل تجاه هذا الكاتب أي مشاعر مسبقة، فالفراغ هو المسافة بيننا، لا كما أشعر تجاه يوسا مثلاً الذي لم اقرأ له أي رواية ومع ذلك أشعر بالكثير من السلبية تجاه كتبه، ولا أحمل لكامو الشعور الذي أحمله مثلاً هرمان ميلفل الذي أعتقد وبشدة أني سأغرم بـ”موبي ديك” رغم عدم قرائتي لها. كانت قصة كامو بعنوان “أصوات من الحي الفقير” وكانت من كتاب له بعنوان “Youthful Writings“. قرأت القصة وأغرمت بكامو مباشرة. رغم السوداوية والحزن والكآبة الشديدة في القصة، إلا أن أسلوب كامو كان مرهف الحس جداً، المشاعر في القصة كانت حقيقة، لم تكن مبتذلة بتاتاً، ووقعت في شباك شخصية عجوز بائس في قصة كامو. وكما يظهر من عنوان القصة “أصوات من الحي الفقير” لم يقصد كامو تمامًا فقر المادة، بل فقر الروح، وهذا ما تداوله القراء مع الأستاذة في مجموعة القراءة، أي شخصيات القصة لم تكن تفتقر للمال، ولم يكن الحيّ أصلاً فقير، بل قاطنين الحيّ أغنياء، لكن الأصوات التي خرجت كانت تسأل وتتسول قليلاً من الحياة. وهذا ما جذبني في القصة: الجوع والبؤس الظاهر بقوة على شخصيات قصة كامو.

هنا أنقل جزء من القصة في صفحتين ونصف تقريباً، ينقل لنا كامو شخصية العجوز الذي يتسول الحياة رغم إنه على مقربة من الموت. الحياة عند هذا العجوز وتعريف الحياة أصلاً مختلف عنّ كلاً منّا، وهذا ما سبب لي رعشة وجعلني أتعلق بهذا العجوز، ثم من أين لكامو أن يرتدي مثل هذا الجلد المتعرفط لرجل عجوز ووجه عجوز وأحاسيس رجل عجوز ومشاعر عجوز، قارب على الموت؟ ويا للسخرية أن يكتبها في كتاب بعنوان “كتابات الشباب”. وخلال ترجمتي للنص، تذكرت بأني كنت أرغب في مشاهدة فلم Ikiru للمخرج الياباني كوروساوا، والتي تتحدث أيضاً عن عجوز يعمل في دائرة حكومية لمدة طويلة جداً تتجاوز الخمسة وعشرين سنة ثم ما يلبث إلا أن يكتشف أنه مصاب بسرطان المعدة، فيظهر له مباشرة هذا السؤال: هل عشت حياتي حقاً؟ بعد ذلك تظهر ردة فعل العجوز تجاه هذا السؤال، ويظهر لي التشابه بين عجوز كامو وعجوز كوروساوا، كلاهما يشعر بالارتباك الشديد تجاه نهاية الحياة.

في قصة كامو، وفي بداية القصة يتحدث الرجل العجوز لمجموعة من الشباب ينتقل بهم بشكل سريع جداً بالحديث عن حياته وعن ماله وإدخاره للمال ومن ثم عن خطيبته وعن رأيه في  الشباب اليوم، محاولاً أن يتمسك بأي شخص يستمع له، فكيف إذا وجد مجموعة من الأولاد العابثين المستهترين بما يسمعون؟ وهذا المشهد تحديداً ورغم سطوره القليلة إلا أنه آسر جداً، وحزين جداً، لا تملك معه إلا أن تلعن الفقر الإنساني. تتسول إلى مستمعين، هذا ما يقوله كامو، العجوز كان يبحث عن مستمعين فقط، لماذا يكون هذا الأمر صعباً؟ “ولأنه رجل عجوز كان الصمت بالنسبة له مستحيلاً”، يا إلهي كيف يستطيع كامو أن يحول أمر يسير عادي جداً، إنسان يستمع لآخر، لشيء مفجع وحزين، العجوز تائه في الشارع يتسول من يستمع له!

أما عند كوروساوا، العجوز وجد الجواب على الحياة كما يفسرّها الصديق علي الزيبق  بشكل رائع كالتالي:

عندما يترك واتنابي (عجوز كوروساوا) الحان، يلتقي بموظفة صغيرة كانت تشتغل في دائرته، و كانت مشهورة بنكتها العديدة و روحها المتوثبة الشابة. تطلب منه الموظفة توقيع قرار استقالتها، إذ أنها لا تستطيع المضي في هذا العمل الجاف. ينظر إليها واتنابي، و يتمتم في نفسه: الحياة تتفجر من هذه، إذا كنتُ أريد أن أحيا حقيقة قبل أن أموت، إذا كنت أريد أن أعرف سر الحياة، فلا بد أنني سأجد الإجابة عندها.

لا أريد أن أفسد الرحلة الروحية و الفكرية لواتنابي على القارئ، و لكن مشهد العثور على إجابة هو من أكثر المقاطع براعة. إذا يحاول واتنابي الضغط على الشابة المسكينة كي يعرف سرها داخل مطعم يعج بفتيات ينتظرن قدوم صديقتهنّ للاحتفال بعيد ميلادها. عندما يجد واتنابي الإجابة، يهرعُ نازلا الدرج، بينما تصعد الفتاة المحتفل بها، لتستقبلها زميلاتها بأغنية: Happy birthday to you.. بهذه الطريقة يحتفل كورساوا بطريقة خفية مع المشاهد بولادة واتنابي و انبعاثه من جديد.

vlcsnap-2014-07-01-21h01m19s41

وجد عجوز كوروساوا من يتشبث به وهي الفتاة الموظفة الصغيرة، وحصل على ما يريد، رغم أنه يتشابه مع عجوز كامو بالإلحاح على أن يُسمع له. كلاهما كان يتسوّل شخصاً يستمع له، ونشاهد حتى في فلم كوروساوا كيف أن العجوز طلب من الفتاة قبل أن يلتقيها بأن تخرج معه، ملحًا بذلك، ولو ليوم واحد وأخير. الفرق الجوهري بين الاثنين هو أن كاموا هنا كان يسلط كميرته على مشاعر العجوز وما يشعر به، واصفاً كل هذا الاستسلام الكئيب والرغبات الغير محققة. أما عجوز كوروساوا فكان السؤال مختلف، وهو ما العمل تجاه قدوم الموت؟ هل عشت الماضي حقاً؟ وما معنى أن تعيش؟ وهذه الأسئلة كلها ظهرت فقط عند علمه باقتراب الموت.

وأخيراً، يجب أن أنوّه على أن كامو كتب هذه القصة بأسلوب غريب، يعتمد على الجمل القصيرة المتتالية. ولذلك المباشرة في وصف المشاعر ثم بعدها الانتقال لفعل العجوز ثم بعد ذلك الانتقال إلى وصف ما يشعر به عجوز كامو، كلها قد تأتي بشكل جمل قصيرة. وأعتقد أن كامو عند كتابته لهذه القصة لم يكن قد وصل للنضج الفنّي كروائي. فكما قرأت أن كتابه الذي ألحقت به هذه القصة قد كتبها وهو في سن صغير، في بداية العشرينات.

أتمنى أن أكون وفقت في الترجمة ولو قليلاً، وتكون الترجمة محمله بالحسّ الذي شعرت به وأنا اقرأ قصة كامو:

قال بصوتٍ يعلوه البهجة؛ وبحاجبين معقودين ناصية سبابّته ؛ “بالنسبة لي، كان والدي يعطيني خمسة فرنكات من مرتبي أسبوعيًا؛ تكفيني حتى انقضاء السبت الذي يليه. وما زلت، حتى هذا اليوم من حياتي، أملك القدرة بإدخار القليل من المال. وقبل كل شيء، كنت أجرّ قدميّ طويلاً لأرى خطيبتي، أربعة أميال ذهابًا وأخرى مثلها في العودة .. فقط استمعوا إليّ، الشباب اليوم لا يعرفون كيف يسلّون أنفسهم.”

 كان هناك عدة مقاعد تحيط بطاولة يشغلها ثلاثة أولاد ورجل عجوز. كان المسّن يحكي لهم مغامراته الأثيرة، وحكاياته التي كانت عبارة عن  تعريف لما كان عليه في الماضي: تضخيم للحماقة والمزاح بصورة مبالغ فيها، واعتزاز وتمجيد بأمور كانت على السطح. لم يترك فسحة للصمت او للتوقّف؛ كان يتحدث على عجل .. يجري معه الكلام متدفقًّا دون انقطاع كما لو أنه يريد أن يُخرج كل ما لديه قبل أن يعود لوحدته، وهو لم يكن يحكي ما قد وقع له في الماضي حقيقةً بقدر ما كان يحكي بشكل يتناسب مع جمهوره ليبقيهم معه. كانت صبغته السيئة هي تركه الناس مستمعين، وهو بتلك الصبغة يرفض بأن يرى على وجوه الآخرين تلك النظرات الساخرة والمستهترة التي تظهر عليهم حال تحدّثه .. للجموع التي حوله، للناس .. لبقية البشر ماهو سوى عجوز .. طاعن في السنّ كأيّ عجوز آخر ولد وترعرع في زمن ماضٍ رائع، بينما على العكس، كان يشاهد نفسه ثقيل الوزن بتلك الخبرة الحياتية التي يمتلكها كرجل مسنّ، لكن الأولاد لايعلمون بأن الخبرة هزيمة، وأن الواحد منا يحتاج إلى أن يخسر الكثير ليعرف القليل من خلالها. وكرجل اقتطعت منه الحياة كثيرًا لقد عانى كثيراً، أكثر ممّا كان أن يُخبر أو يقصّ ؛مؤمناً بذلك اليقين الذي يخبره بأنه حصل على مكانه رفيعة بكونه يشعر بالسعادة. وحتى لو كان مخطئًا حيال ذلك، سيبدو الأمر أكثر تضليلاً لو أراد أن يحرّك الناس من خلال تعاسته. ثم ما أهمية معاناة رجل مسن عندما تحتل الحياة كل وجودك؟

تحدث، وتحدث، متلذذاً بشكلٍ أضاع طريقه بصوته الكتوم. ولكن لا يمكن أن يستمر، متعته نادته للإنتهاء، وتضاءل انتباه المستمعين له. لم يعد حتى ظريفًا يقص الحكايات ويأنس السامعين؛ كان هرمًا. أما الأولاد فلم يستمرو في التحلّق حول هذا الأبله العجوز وذهبوا للتسلية بلعب الورق والبليارد. وعاد وحيدًا بعد محاولاته المتكررة  بأن يجعل من حكاياته مادّة مسليّة، وجاذبية ترهف لها الآذان طويلاً، إلا أن ذلك لم ينجح .. هكذا يتكرر الأمر في منتصف حديثه يتركه الأولاد فيرجع وحيداً بصحبة المنضدة . وحيداً مرة أخرى. لا أحد سيرهف سمعه إليه مجدداً، فكّر بأن المؤلم ليس في أن لا أحد سيستمع له مجددا بل في الفكرة المفجعة وذلك عندما يكون المرء مسنًا. فيحكم عليه بالصمت والوحدة، بالموت قريباً. وهذا يعني أن لا فائدة من العجوز؛ وحديثه وقصصه المرويّة .. لاأهمية يكتسبها فتتلقّاها العيون وتصغي لها الآذان لأن خاتمة حياته  اقتربت، لم يتوقف الأمر إلى هذا الحدّ .. كان الهرِم في أعينهم عجوز يُشمئز منه وذو حضور مزعج ولئيم ويحمل كل الصفات التي تجعلهم يقررون بأنه يجب أن ينأى بنفسه بعيدًا، إلا إذا امسك لسانه: هذا أقل شيء يجب عليه أن يفعله. ولأنه عجوز، كان يعاني من عدم قدرته على الصمت.

غادر مكانة بابتسامة وزّعها على الجميع وبخِل بها على نفسه . وهو إذ يهمّ بالمغادرة قابل وجوهٌ عدة، وجوهٌ تحدّق بفرح، لكنه لا يملك الحق في مشاركتها هذا الفرح. وبمشيته المتمهلة، بخطوة صغيرة كحمارٍ مجهد، أسرع من مشيه على الرصيف الممتلئ بالناس.

شعر بالسقم .. لم يرغب العودة إلى بيته. منزله الذي عادةً ما يكون سعيداً حال عودته له؛ طاولته، ومصباحه الزيتي، وتلك الصحون التي حفظت أصابعه جيداً أماكنها. فهو ما زال يفضل أن يأكل عشاءه في صمت، وفي الجانب الآخر زوجته العجوز، تأكل الطعام بكميات صغيرة، وبرأسٍ خالٍ، وبعينين مغلقتين كميتة لا تقوى على فتحها. العشاء الذي قامت العجوز بتحضيره أصبح بارداً، زوجته أصبحت ترقد دون أن يساورها القلق عليه، ترقد باطمئنان يكتسيها لأنها تعلم أنه يعود أحيانًا في ساعة متأخرة من الليل. ثم تسرّ في نفسها:” إنه يقطن القمر مرة أخرى.”

أصبح الآن يمشي وحيداً بخطوات محسوبة متمهلة وبهيئة رزينة. الهيئة التي حتّمتها له الحياة المسنّة. وعند نهاية الحياة، تخرج من الشيخوخة أمواج من الغثيان؛ اذ ليس بالأمر الممتع بأن تدير العجلة دون أن تملك القدرة على العودة إلى النقطة التي ابتدأت منها. وماذا لو استمرت العجلة في الحركة أو أن الأشياء جميعها وصلت للحد الذي لا يريد أحد أن ينصت لها بعد الآن؟ لماذا الناس لا تريد الإستماع إليه؟ الأمر جداً سهل لخداعه. ابتسامة محيّا، شيء من اللطف.

كان العجوز يرى أنه لا مفر من أي شيء، حتى الليل أتى، ولا مفر منه. مشى  والصمت يحيطه، وانعطف داخلاً أحد المحلات عند نهاية الشارع فتعثر، ثم سقط. لقد رأيته. كان منظره مضحكاً، لكن ماذا سيفعل أيًا منّا؟ بعد كل شيء، فضّل العجوز أن يظل خارج المنزل. بعد ذلك، دخل رجل طويل مرتدياً بدلةً مشعة. جلس مواجهاً العجوز. ومضت الدقائق ولم يقل حرفاً وظل جامداً في مكانه. ومن فترة لأخرى كان يمسد شعره بيديه، ويتنهد بخفة. وبعد أن ظّل يشاهد العجوز لمدة طويلة بعينين مكتئبتين، قام منصرفاً بصمت. وعندما صدر صوت إنغلاق المزلاج قام العجوز من مكانه مغادراً وهو يشعر بخوف يملئ معدته.

قابل قليل من الناس عند خروجه، لم يكن وحيداً أبداً. لا شك بأنه مريض، بل قد يسقط من مرضه قريباً، أنا متأكد من ذلك، وستكون هذه نهايته.

بدأت تصطبغ على وجهه علامات الحمّى، خطواته الصغيرة كانت تخبره بأن: غداً سيكون يوماً مختلف. وفجأة يأتي اليوم الذي يليه فيدرك أنه نسخة مكررة من يومه الذي سبقه وهكذا الأمر مع بعد غدٍ .. الأيام المتشابهة التي لا يعبرها الاختلاف هي ما تثقل كاهله، مثل هذه الأفكار هي ما تقتل. فكّر بأن الرجال يقتلون أنفسهم بمثل هذه الأفكار التي لا يستطيعون تحملها، ولو كانوا شبابًا لحولوها إلى سخرية.

خّرِف، مجنون، سكران، لا أحد يعرف. سينتهي بشكل رائع، بوجه ممتلئ بالدموع. سيموت بشكل جميل، عفواً، أقصد بشكل محفوف بالمعاناة، وهو يعزّي نفسه بهذه النهاية، وإلا أين يذهب؟ سيظل عجوزاً للأبد. تبدّد نور الشوارع .. بدت الطرقات أكثر ظلمة من ذي قبل، قّل عدد المتسكعين، لم يعد يشعر بالمارّة رغم إحساسه بأصواتهم التي ظلت تمر من جانبه. وفي ذلك الأمان الغريب والمهيب من ذلك المساء، وبصيص من نور ما زال خلف أعالي المدينة، ومن مكان مجهول،  تصاعد الدخان وبشكل بطيء وعلى شكل طبقات كما لو كانت شجرة صنوبر من أعالي التلال، أغلق العجوز عينيه، كل هذا يعود له ويعود للآخرين. كما لو كانت الحياة غير آبهة بكل ماتحمله مدينته من حماقات ؛أو لكأن السماء ابتسمت بصورة لامبالية بصورة أغاظته باستهتارها. لقد كان وحيداً، منبوذاً،  عارياً، ميتاً.

هل أحتاج إلى الحديث عن الوجه الآخر من القطعة المعدنية؟ بدون شك، في غرفة انكسر ضوءها، كانت الزوجة العجوز ترتب سفرة الطعام تحضيرًا للعشاء .. وهي جالسة تطلعت إلى الساعة المعلقة، انتظرت قليلاً، ثم بدأت تقرّب الطبق من أمامها .. شرعت في أكل تلك الوجبة الدسمة وهي تقول لنفسها “إنه يقطن القمر”.

 

الحداثيين أصحاب الاصبع الأوسط

04

في تأمل كل فكرة نوع من الملل. الضجر نفسه أصبح مملاً، العبثية والعبثيين أصبحوا مملين. لا جدوى من إعادة الحديث عن شعور الإنسان بالضجر وما الحل تجاه هذا الضجر وتجاه هذه الحياة. التعاطي مع الحياة على أنها مشكلة أصبح مملاً. ما اكتبه وما سأكتبه سيكون ممل. الفكرة ببساطة أننا في وقت سمح لنا بمشاهدة كم هذه الدنيا تكرر نفسها بأشكال مختلفة بوضوح. إدعاء العمق أصبح مملاً، لا لأنه ممل في ذاته، بل لأن الجهد في التعمّق والدقة يتطلب مجهود والمجهود أمر ممل. أخذ الأمور بسطحيتها، ممل ببساطة. فكرة العودة إلى الأصل صعبة ومستحيلة. من سيقف في مد الحداثة؟ كلمات مثل الحداثة والحداثيين مقززة. الخلق الجديد ومحاولة الإبتكار أصبح مملاً، لأن الجميع يخلق جديداً، لدرجة التشابه.
كثرالذين يشعرون بالملل ويرفعون اصبعهم الأوسط للحياة، للناس، للمجتمع، للعمل، لكل شيء. لا يملكون سوا هذا الشعار وهو رفع الاصبع الأوسط، وقبلهم رفعه كثير، الفرق أنّ جودة الاصبع تختلف من شخص لآخر. فرونسكي وآنا كارينا رفعا الاصبع الأوسط للمجتمع بطريقتهم الخاصة. انتهت آنا بالانتحار وانتهى الأمر بفرونسكي بالانضمام لجماعات المقاتلين. هل رأيت النتيجة؟ لم يستخدم السيد ليفين الاصبع، ظلّ متماسكاً ضد الحداثيين (أصحاب الاصبع الأوسط، وأعتقد لن يغضب بعضكم من إضافة تعريفي الخاص بالحداثيين) وطريقتهم رغم افتتانه بهم في بعض الأحيان، الأكيد أن ليفين كان مختلفاً عنهم بأصالته، رجل مجتهد، يعمل، يبحث، ينظّر، يفكر. نهايته كانت الشك. لا مجال إذاً من كون النهاية درامية في نهاية المطاف، وإن كانت حدة الدراما تختلف من الحداثيين عن سائر غيرهم. وهنا أنا لا أعطي نتيجة واضحة أو معادلة رياضية أكيدة بالطبع. لكن المعلم تولستوي أوضحها بشكل كامل، كنّ حداثياً وارفع اصبعك الأوسط وستصبح نهايتك بائسة حزينة، ولا أظن أن الحداثيين يرون في الانتحار نهاية حزينة أو بائسة كما وصفتها أنا. ولكن دعونا نتأمل في آنا التي اقدمت على الانتحار أمام القطار رامية بنفسها بعد هلوسات سببها أنها قذفت بنفسها إلى داخل نفسها كما وصفت حنه أردنت ذلك بقولها: “الإنسان الحديث لم يرم خارج العالم ولكنه قذف إلى داخل نفسه.” قذفت بنفسها داخل عالمها المليء بالخوف، بالحيرة، بالشك وانتحرت. نعم انتحرت، من يملك الجرأة على الانتحار من الحداثيين الآن؟ منظّرين جيدين حول الانتحار ومفاهيمه وأسبابه، لكن لا أحد يقدم عليه. مجرد ذكره وطرحه كخيار ولو ضئيل مضحك جداً. آنا قالتها لمعشوقها فرونسكي سأقتل نفسي. نعم قتلت نفسها، أنت لا تقولها عزيزي صاحب الاصبع الأسط. هنا الفرق بين جودة الأصابع. وما أجمل وأجود اصبع آنا كارينا.
ليفين رُمي أو قُذف داخل نفسه أيضاً، الجميع رمى بنفسه داخل نفسه، صحيح، لكن ما الذي جعل ليفين مختلفاً؟ هؤلاء شخصيات تولستوي الأصيلة الأصلية من أمثال ليفين، والحاج المراد، أصحاب المبادئ لماذا يجعلهم تولستوي ينتصرون في النهاية؟ أنا لا أعرف، الإيمان؟ الإخلاص؟ حب الخير؟ ممكن، لكن ولأن كلاً منا الآن بداخله كائن صغير منتمي للحداثيين، يرى مثل هذه الكلمات بنوع من الاستخفاف. بينما قد تكون الخلاص بذاتها. لا أجد أجمل من اقتباس لكيركغارد يمثل الحداثيين في عيني الآن. يقول:

اندلع حريق خلف الكواليس في المسرح. خرج المهرج محذراً فصفق الجمهور وضحكوا معتقدين بأن المهرج يلقي نكته. أعاد المهرج تحذيره، فتضاعف تصفيق الجمهور، هكذا وفقط أعتقد سيصل العالم إلى نهايته: تصفيق العامة المؤمنين بذكائهم بأن نهاية العالم مزحة.

تماماً، هنا الحداثيين أصحاب الاصبع الاوسط يقومون بهذا الفعل. التصفيق والضحك بكل ما يتعلق بما قام به ليفين، من حب للخير، من بحث عن الحق، من الإيمان ذاته. هذه الأمور تحتاج إلى عمل، لا يجيد المصفقون المتباهيين بذكائهم مثل هذه الأمور، يجيدون الهزل، الضجر، الحديث عن الضجر، عن الانتحار، عن الكآبة، عن عبثية هذه الحياة. لا مجال للتفكير، التفكير يستهلكم، الهزل سهل، العمل متعب، الضحك على ما يسمّو بالإنسان أريح. الخيانة التي يمجدها الحداثيين، الاستهتار بكل ما يتعلق بالأسرة، بالزواج، بالإنجاب، التمجيد للعلاقات العابرة، الجنس الرخيص، الوحدة ، وضعها تولستوي بجدية وبخط زمني له بداية ونهاية. البداية كانت بأن آنا كارينا خانت زوجها، نهايتها كانت الانتحار. هكذا يرى تولستوي المسبب والنتيجة. تولستوي كان واقعي، يعرف أن نهاية كل ما هو خطأ الموت. لا يجب علينا أن نأخذ الإنتحار كفعل في حد ذاته في رواية تولستوي، ولنأخذها كرمز. النتيجة عند المعلم تولستوي واضحة. كل مسبب خاطئ نتيجته الانتحار. هكذا اقرأ كل حداثي لا يجيد سوا الهزل والضحك والاستهتار والبكاء بما يدور حوله. بل دعونا ننظر إلى أصالة شخصيات بيرقمان في “الختم السابع” الفارس يذكرني كثيراً بليفين، كلاهما يقتلهما الشك. لا يسخران من مسألة الإيمان، يعلمان قيمتها، لا يسخران من تفاهة وضحالة الآخرين فالسخرية سهلة ويجيدها الجميع، ولكنهما رغم شكهما يبحثان عن الحقيقة. تقف شخصية الفارس ممسكة برأسها تسأل الله أن ينقذها من هذا الخوف والشك الذي يشعر به، الفارس قد يكون ملحد، ولكن لا شك الموت قادم، وهو يعرف قيمة ما يشعر به. من يسأل الله الآن، رغم قلقه وإلحاده؟ لا أحد. ولكن من يسخر من الله؟ الجميع. نحن الحداثيين أصحاب الاصبع الاوسط الذي لا نجيد شيئًا سوا الهراء. أخيراً، أنا لست مسؤولاً عن فهمك من هم الحداثيين هنا.

مهرجان فني

شعور الرغبة في الكتابة عن مشاعري تجاه بعض الأعمال الفنية، مرهق. دعنى أخبرك شيئًا، أنا مدين لهذه السنة بالكثير، أشعر بأني دخلت نادي لتمرين لياقة الحس الفني، اسم جذاب صحيح؟. تخيّل، منذ متى كنت أعتقد أني سأحب الرسامين الانطباعيين؟ ستقول لكن هذا الأمر نسبي لا علاقة له بالتمرين الفني، ولكن دعني أخالفك قليلاً، أشعر بأن تذوق الفن هبة من الله، كل إنسان يتذوق الفن بطريقته الخاصة، لا شك في ذلك، ولكن أعتقد أن الإنسان يستطيع أن يدرب هذه الذائقة أو هذا الحس لديه كما لو كان يدرّب عضله من عضلاته في أحد النوادي الرياضية. كيف يدرب الإنسان ذائقة الفن لديه؟ الجواب بكلمة واحدة: بالتأمل.
تعتقد أنني حينما قرأت البؤساء لفيكتور هيوقو أن حاسة الذوق لم تتغير؟ هل تعتقد أن مشهد حمل كوزيت لسطل الماء الكبير ليلاً وهي تحمله بيديها الاثنتين الناعمتين، والنجوم تشاهد البراءة بأكملها تتعذب تحتها، مشهد لا يحرك في الذائقة شيء؟ دعك من الرحمة والشفقة، لا، أنا أتكلم عن الذائقة الفنية. عموماً هذا ما أؤمن به. هذه السنة كثر من الأعمال رفعت من ذائقتي الفنية والأدبية.
أنا ممتن لهذه السنة لأنها عرفتني على أبله دوستويفسكي٬ ذاك الإنسان البريئ الذي يعرف الشر لكن لا يرتكبه. ولذلك هو أبلهاً في عين المجتمع. أنا ممتن لدوستيوفسكي لأنه سأل هذا السؤال العظيم: “لماذا تخلق الطبيعة أفضل الناس، لتسخر منهم بعد ذلك؟” دعك من دوستيوفسكي، ألم تقرأ سيرة حياة غريب الأطوار صاحب السيمفونية الأشهر في العالم، بيتهوفن؟ ألم تقرأ رسالته لأخيه وأحرفه تبكي دماً متسائلاً لماذا يفقد أكثر حاسة يحتاج إليها، لماذا يفقد سمعه؟ وعلى ذكر السير ألم تقرأ سيرة السينمائي الكوميدي الإنساني تشارلي تشابلن؟ ادخل يا رجل في أعماق هذا الفنان، أدخل داخل هذا البريطاني لتعرف كيف شخصية المشرد نجحت كل هذا النجاح. لم تأتي شخصية المشرد العبقري الذي كان يلبس في فلمه “الطفل” الحذاء ليذكرنا بحذاء فان جوخ من عبث ومن مجرد عبقرية. هذا المشرد كان مشرداً حقيقةً، كان يبيع ملابسه وملابس والدته على الرصيف ليشتري الخبز. تشابلن قبل أن  يكون سينمائي هو أديب وكاتب عميق جداً، ورجل يملك قلب حزين. حتى أن أحد الممثلات في بدايات عمله الفني كانت تشاهد له عرضاً كوميدياً على المسرح، وعندما انتهى وشاهدها وجد دموعها تنهمر وقالت له: لا أعلم لماذا أبكي، رغم أنه كان من المفترض عليّ أن أضحك؟ هذه الممثلة شاهدت تشابلن في صورته الحقيقية. لا أنسى القشعريرة التي تلبستني عندما قرأت تعبيرها هذا وعندما ذكر تشابلن ذلك في سيرته التي أعتبرها من أعمق وأجمل السير. لا ترى في السير شيئًا مثيراً؟

shoes

دعك منها ولو أني أسخر منك، ولكن “أنت حرّ” وهذه جملة هذا العصر المفضلة، اقرأ للخيام، شاعر الخمر ماذا يقول:

يَا ليت كُلُّ حرامٍ مسكِرٌ لأرى
في الكونِ كُلَّ فتىً مِن ذَنبهِ ثَمِلاَ

وتعال معي لأستاذ القصة القصيرة، الذي أتخيل قصصه كما لو كانت “شعر بنات” تباع في الحدائق والملاهي من لذتها. دائمًا ما أشعر أن برانديللو واقف في وسط أحد الملاهي الكبيرة ويبيع قصصه على شكل شعر بنات، نشتريها بثمن بخس ونتلذذ بطعمها الحلو. ولكن انتبه، ما إن تدخل هذه الحلوى إلى جوفك حتى تشعر بالحزن. هذا هو برانديللو أجمل من قرأت له في القصة القصيرة. حلو المذاق في البداية، ولكنها مرّة في النهاية. عجيب هذا الرجل. عجيب!
ثم تعال بعد ذلك وقل لي أن كل هذا لا علاقة له بالذائقة الفنية. أن كل هذه الأحاسيس والأسئلة والرسائل، لا تحرك في حساسيتك تجاه الجمال والفن.
اترك عنك الكتب السمجة. أنا آسف يا سيدي، أنت لا تقرأ الكتب. مملة. قديمة. أصحابها ثقيلين دم.
ألا تشاهد السينما؟
قلي مثلاً أنك لم تشاهد فلم “الماضي” لأصغر فراهادي. وأنك لم تشاهد كيف لهذا الإيراني العبقري الحقير (تعتبر مدحه هنا) أن يقول أشياءً عن طريق ممثليه الذي يحركهم بطرق عجيبة مكوناً جملة من التعقيدات الإجتماعية تكبر مع مرور الفلم. كل أفلام هذا الإيراني الذي أنا معجب به حتى الموت تبدأ هكذا: مشكلة بسيطة، تعتقدها بسيطة، كما هي نظرتك للحياة من بعيد، مع مرور الزمن، تجد أن البساطة بدأت تختفي لتصل في نهاية الفلم إلى مشكلة لا حل لها. هكذا فجأة! الخيوط كانت منثورة على الأرض بشكل متوازي بسيط هكذا تشاهدها في بداية أي فلم له، في النهاية تجد أن الخيوط معقدة لمليون عقدة لا حل ولا نهاية لفكها. كل جملة، كل نظرة، كل حركه من شخصيات هذا الإيراني داخل أفلامه تكوّن عقدة جديدة. هكذا هي الحياة فعلاً، ملايين من العقد التي نحاول فكها ولا ننتهي.  يا الله من عبقرية هذا الرجل! ساحر والله.
طيّب يا سيدي أنت تكره الإيرانين لأنهم قريبون من العرب، ولا تحب السينما الإيرانية أو أي سينما غير هولودية لأن السيدة ميرلي ستريب كانت ترضعك من حليبها لذلك أنت لا تشاهد إلا هوليوود. هل شاهدت فلم “ياسمين الزرقاء” لوودي آلن، هههه ساخر هذا الرجل بشكل. طيّب أنا أراهنك أن حبيبتي كيت بلانشيت المظلومة إعلامياً، ستفوز بالأوسكار هذه السنة في دورها في هذا الفلم، انسَ القصة والتركيبة النفسية للشخصيات الظريفة في الفلم التي رسمها وودي آلن، ولكن استمتع بتمثيل بنت بلانشيت. شاهده من أجلها، تستحق ذلك.
إذا لم تحب وودي آلن لأن أفلامه بارده وأنت شخص لا يحب الأفلام الباردة، وتحب الإثارة، فتعلّم يا سيدي الإثارة من أحد أكثر المثييرين في العالم، تعلّم من نيكي لاودا. ليتك تتعلّم من نيكي لاودا الشغف في ممارسة شيء ما. شاهد فلم “رش” كأفضل فلم جديد بالنسبة لي خلال السنتين الماضية مع الفلم الإيراني “الإنفصال”. سنة ١٩٧٠، كان هناك فلم يبث مباشرة كل أسبوع للعالم، بين نيكي لاودا وبين جيمس هونت. الأول عبقري، محافظ، منظم، لديه هدف يريد الوصول إليه بكل مثالية، عكس المتسابق هونت، رجل سكير،عاشق للنساء،  يستنزف كل لذة من الحياة، ولذلك قال لاودا عنه: “استنتزف كل لذات الحياة لذلك لا غرابة بأن يموت مبكراً من سكته قلبيه.” التنافس بين اثنين من متسابقي  الفورملا، ولكن هذا ليس سباق سيارات، في هذا الفلم العظيم سباق شخصيتين مختلفتين، تجاه عمل واحد. ولتعتبر يا صديقي أن هذا العمل (بطولة الفورملا ون) في الفيلم كانت رمزية للحياة. فلم عظيم. حتى أن لتلك السنة ولهاذين المتسابقين صيت عالي لدرجة أن هناك وثائقي من البي بي سي عنهما. 

tumblr_mrdsc1R0BI1r4hhzeo1_500
ثم أيها السيّد المحترم، إن كنت لا تحب القراءة ولا السينما، فأنت مسكين، ولاحظ تطرفي هنا، أشفق عليك، بس أنا صادق معك لا أحب الكذب. فلعلك تحب اللوحات والفن. هل تستطيع أن تشاهد الجمال معي في لوحات فان جوخ؟ يا سيدي، هذا الرجل أعشقه، أحب لوحاته بشكل لا أعرف كيف أفسرها لك؟ تخيّل، أن لوحات هذا الرجل أحبها لدرجة أني لا أمل بتاتاً من مشاهدتها. لاحظ أنا هنا لا أستطيع أن أبرر لك لماذا أحبها؟ لأن هذا ما تعلمته من فان جوخ. لوحاته تقول أنت تستطيع أن تشاهد الجمال لكن لا تستطيع أن تفسره، عندما تشاهد وردة مثلاً، أنت تقول هذه الوردة جميلة لأن لونها أصفر، ولأن أطرفها بالشكل الفلاني، ولأن ورقها ناعم، ورائحتها جميلة ..الخ. فان جوخ، لو اقتربت بعينيك لتشاهد كيف يرسم ستجد خطوط بشعة، ضربة الفرشة لديه عند التدقيق تجدها غريبة لا جمال فيها كضربة مفردة للفرشاة، ولكن عندما تشاهدها كعمل كامل، أو عندما أشاهدها أنا بالأصح، لا أجد إلا الجمال الساحر! كيف؟ لا أعرف.
دعك من فان جوخ، أكيد أنت تعرف الرسام الروسي صديق البحر، وأجمل من صور البحر وحوله إلى إنسان، وكأن البحر له إنفعالاته الخاصة به، وكأن البحر يغضب ثم يهدئ، وكأن البحر له روح جمالية تعكس ما عليها، وكأن البحر يغني وفوقه الطيور ترقص، أكيد أنت تعرف ايفان ايفازوفسكي. تأمل في بحر هذا الرجل، تأمل البحر من عينيه، يا الله!
كاسبر فريدريك وشخصياته التي تلقيك ظهرها، هي قد لا تهتم لك، هي تهتم لمشاهدة الطبيعة من أمامها، لأنها تبحث عن الموت من أين سيأتي؟ من خلف الجبال، أم من خلف تلك الأمواج، أو من خلف تلك المساحات والغابات؟ طيّب حاول أن تشاهد رسمات الكئيبة الحزينة كاثي كيلوتز. شاهد لوحة الأمهات، ماذا تعني بها هذه الرسامة؟ لماذا الأمهات يضممن بعضهن بهذا الشكل؟ تأمل.
أخيراً ولقد تعبت من الكتابة والله لأقنعك أن الفن عضلة تستطيع تمرينها بالتأمل. استمع لموسيقى دوفوجراك وسيمفونيته الساحرة وكيف يتحرك الموسيقار قوستاف دوداميل. أذكر أني عندما استمعت لها لأول مرة كنت ممسكاً بهاتفي منشغلاً بمكالمة صديق، وبدأ المقطع من لحظاته الأولى والله لا أنسى كيف توقف كل شيء حولي ولم أشعر بأني تأخرت على الرد على صديقي هذا إلا بعد انتهاء المقطع كاملاً. المشكلة أين؟ أو بالأصح النعمة العظيمة هي أني ما زالت حتى هذه اللحظة عندما أستمع للمقطع استمع له وكأني اسمعه للمرة الأولى، ما زلت أملك الكثير من الانبهار والاندهاش والشعور الساحر لكل شيء في هذا المقطع.
يمكنك محب للتشيلو مثلي. فهي الآلة الأولى المحببة لقلبي، لا أعرف العزف عليها ولا أريد أن أتملكها أو حتى أتعلم عليها، كيف أصبحت إذاً آلتي المفضلة الأولى؟ بسبب بسيط، هي مفضلة لدي لأن جميع من يعزفون على هذه الآلة هم لا يعزفون ولكنهم يصلّون. صدقاً، انظر للعذوبة وللحركة هنا هل تعتقد أن هذه تعزف فقط؟ لا لا هذه تصلي صدقني.
يا صديقي العزيز، بعد كل هذا ألا تقتنع بأن الحس الفني لديك هو عضلة يمكن أن تمرّن كل يوم بالتأمل؟

 

تبرير الجريمة: ما بين والتر وايت وراسكولينكوف

Photo Message - Lamia AQ - 2013-10-01 210423875

بقلم: لمياء القحطاني. 
بعد انتهاء حلقات المسلسل الأشهر تلفزيونيا هذا الموسم مسلسل بريكنج باد والذي أرى أنه أشبع نقداً وتحليلاً لذلك سيكون حديثي مختلفاً قليلاً ولن يتحدث عن المسلسل بل عن بطله السيد والتر وايت، والحديث هنا سيكون نوعاً من المقارنة بين شخصصية والتر وايت وشخصية راسكولينكوف بطل رواية الجريمة والعقاب للروائي الروسي ديستوفيسكي. 
رغم اختلاف الزمان والمكان حيث وقعت أحداث الرواية في روسيا في القرن التاسع عشر وأحداث المسلسل في الجزء الآخر من الكرة الأرضية في القرن الواحد والعشرين ورغم اختلاف عمري الشخصيتين حيث راسكولنكوف كان شاباً عشرينياً والسيد وايت كان كهلاً خمسينياً، إلاّ أن هناك نوعاً من التشابه بين الشخصيتين وفي الأسلوب بين الروائي والمؤلف التلفزيوني.
بداية نقارن بين ظروف الشخصيتين أولاً كان راسكولينكوف طالباً مطروداً من الجامعة معدماً لا يملك شيئاً سوى أم فقيرة تعيش بعيداً وأخت تعمل لدى شخص طماع أراد استغلالها ولم تعمل إلاّ لحاجتها للمال، والسيد وايت كان معلماً بسيطاً لا يملك إلاّ منزله وزوجته وابنه صاحب الاحتياجات الخاصة والذي يحتاج لمدخرات مالية لإكمال دراسته، كلا الشخصيتين كان عادياً في مجتمعه لم يملك أحدهما اسماً رناناً ولا صيتاً كبيراً ولا منصباً مسؤولاً، وفي الحلقة الأولى من المسلسل نكتشف أن السيد وايت أصيب بالسرطان وليس لديه إلا ستة أشهر ليعيشها والعلاج سيكلفه كل مدخراته وسيبقى ابنه بلا مال ولا ابنته الصغيرة التي لم تولد بعد، في هذه الحالة لم يعد لديه ما يخسره لذلك قرر دخول عالم المخدرات فيجني المال ثم يموت قبل أن يكتشف، أما راسكولينكوف فقد جاء في بدايات الرواية: “أصبح الشاب لا يهتم بشؤونه ولا يريد أن يهتم بها” نظراً لحالة الفقر وقلة الحيلة التي أصابته كما أصابت صاحبه والتر وايت، كلاهما الآن ليس لديه ما يخسره أبداً.
اتخذ راسكولينكوف عائلته حجة لجريمته التي ارتكبها فقد أراد لأمه العجوز حياة كريمة وأراد لأخته الاستغناء عن الخدمة عند الناس وحتى تتزوج زواجاً كريماً وحتى يستطيع هو أيضاً إكمال دراسته والحياة حياة طبيعية، ووالتر وايت أيضاً أراد لزوجته التي ستترمل في الأربعين حياة كريمة ولابنه المعاق تسهيلات كبيرة ودراسة محترمة وكذلك لطفلته الرضيعة حتى لا تحتاج لأحد بعد موت والدها. نعم هذه الدوافع لدى هذين الشخصين الطيبين حتى الآن، أرادوا الحفاظ على عائلاتهم وتأمين الحياة الكريمة لهم وهذا ما نراه ونعيشه طوال الأحداث في الرواية وفي المسلسل.
 بعيداً عن الأعمال الطبية ومساعدة الآخرين والاهتمام بهم سنجد قاسماً مشتركاً بين الشخصيتين وهو الغرور حيث كلاً منهما يرى نفسه عبقرياً وذكياً ولم يحصل علة ما يستحقه ولم يُقدّر من المجتمع والمحيطين به كما ينبغي له، كان راسكولينكوف يرى نفسه   مخلصاً للبشرية وقائداً عظيماً كنابليون، ووالتر كان يرى نفسه عبقري الكيمياء وسيدها وسيد تحولاتها ولكن للأسف إنهما يعيشان حياة عادية جداً وفقيرة.
راسكولينكوف كتب مقالة عن الجريمة والقتل وقسّم الناس فيها إلى الشعب الذي يعيش تحت رحمة القانون وحدوده التي وضعها والقسم الآخر الذي يتجاوز هذه الحدود فيقتل الناس ويحوز على المجد مثل نابليون الذي قتل أعداداً كبيرة جداً من الناس في حروبه وفي سبيل إمبراطوريته، وتساءل صاحبنا عن من يضع هذه الحدود؟ وفي الحلقة الأخيرة من الموسم الأول نجد والتر وايت في إحدى الحفلات العائلية جالساً مع عديله هانك شريدر يشربان الكحول ويدخنان السيجار الكوبي وتساءل السيد وايت عن الحدود التي يضعها القانون ونؤطر أنفسنا فيها، فلو شرب شخص ما الكحول عام ١٩٣٠ لكان مخالفاً للقانون لكن في السنة التي تليها أصبح قانونياً بالكامل، فلماذا لا يكون الميث وصناعته قانونية كذلك؟
وفي إحدى الحلقات بعد أن أصبح وايت متمرساً في عمله قال أنه الآن لا يعمل للمال ولا للميث بل ليصنع إمبراطورية! هي إمبرايطورية هايزنبرغ التي نستطيع القول عنها أن الشخصية الشريرة القاتلة على عكس شخصية والتر وايت الطيبة والمسالمة، وكذلك نجد راسكولينكوف الذي يعذبه ضميره فيسقط مريضاً صاحب الشخصية الطيبة ثم تخرج الشخصية الأخرى التي قتلت العجوز والتي سيطر عليها الغرور فيصبح قوياً معتداّ بنفسه. أراد هايزنبرغ أن يصبح إمبراطواراً وكذلك راسكولينكوف أراد أن يخلف نابليون ويصبح هو الآخر إمبراطوراً! أراد أن يتذكر التاريخ اسمه كما أراده والتر وايت فرأينا عنوان الموسم الأخير هو: تذكر اسمي.
استغل راسكولينكوف صديقه المقرّب رازوميخين في معرفة أخبار الجريمة وما يحدث في مركز الشرطة وما يتحدث به الناس كما فعل ذلك والتر مع عديله هانك عميل وحدة مكافحة المخدرات، كلاهما كان يعرف سير قضيته وأين موطن قدمه من هذه الأحداث، وكلا الصديقين لم يشك بصديقه للحظة فأعمالهما الظاهرة لا تشي بذلك.
عندما قرر راسكولنكوف قتل العجوز المرابية ليخلص مجتمعه من هذا الشر أو هذه الحشرة كما يقول ونفّذ جريمته اضطر لارتكاب جريمة أخرى وهي قتل أختها إليزابيث التي لم يكن لها أي ذنب إلاّ أنها كان متواجدة في مكان الجريمة وكانت شاهدة على جريمته وحينها سيوضع في السجن ولن تنجح مخططاته في إنقاذ عائلته من الفقر وجعل العالم مكاناً أفضل، كذلك رأينا مستر وايت وهو يقتل كريزي ٨ حتى لا يعترف عليه فتتبخر مخططاته لإنقاذ عائلته وحمايتها.
كتب الرفيق سياف في مراجعته لرواية الجريمة والعقاب: “كل إنسان فيه راسكولينكوف” أي أن الإنسان كائن تبريري يستطيع ارتكاب جريمة ثم يبرر لنفسه بأنه لغاية أفضل ويستطيع اتخاذ ذرائع كثيرة كالعائلة ليواجه ضميره. كلا الشخصيتين عشنا معها  مرحلة ما قبل الإجرام وأثناءه وبعده، عشنا تطورات الشخصية وأسبابها وظروفها، عرفنا الجانب الطيب منها حتى بعد أن قاما بما قاما به، رأينا راسكولينكوف وهو يقترض ليطعم سيدة فقيرة ورأيناه يمد يد العون لشيخ ضرير وينقذ أطفالاً من الحريق، ورأيناه يقع تحت تعذيب ضميره ويسقط مغشياً عليه وهو يهلوس، كما رأينا والتر وايت يساعد جيسي ويعتبره كابنه ويدافع عنه ويساعد هانك ويدفع تكاليف علاجه ويعذبه الضمير أيضاً حتى وهو يرتكب جرائمه فقد اعتذر من مايك وتأسف منه وهو يتنفس أنفاسه الأخير كما رأيناه انهار وبكى عندما مات هانك.
معايشتنا لهذه الأحداث ومعرفتنا التامة بظروفهم جعلتنا نتلمس لهما الأعذار وكثيرٌ منا تمنى لهما السلامة وكأننا هما لكن الفرق هو أن ظروفنا لم تكن كظرفيهما وإلاّ ربما فعلنا ما فعلناه، وأظن أن الروائي دوستويفسكي والكاتب فينس جيليان سارا في نفس الطريق وهو وضع الإنسان وجهاً لوجه مع نفسه وأخلاقه وضميره، هل يؤيدهما أم يدينهما؟ هل يجد عذراً لما اقترفته يديهما؟ هل يرى نفسه يملك الحق في أن يقتل من يقتل ويبقي من يبقي؟
نعود لمقولة سياف ونطبقها على المسلسل فنقول: في داخل كل شخص يقبع والتر وايت.

مرحلة اللامعنى

منذ فترة وأنا أريد أن أتحدث عن هذه الفكرة في داخلي وأبوح بها، ولكني أؤخرها إلى أجل مسمى لسبب ذكره هيسه بقوله: “الكلمات لا تستطيع التعبير بشكل جيّد عن الأفكار، فهي إما أن تكون منحرفة قليلاً عن ما نريد قوله، أو تظهر بشكل ما غبية.” وأنا لا أريد أن أظهر هنا بشكل متكرر أو غبي. ولكن منذ مدة وكل شيء أصبح متساويًا في عيني، وأصبحت أعيش في تلك المرحلة التي أصفها بمرحلة “اللامعنى أو اللاقيمة أو ثم ماذا؟”
تلك الكتب التي اشتريتها منذ شهور وأسابيع بل وأعوام، وأجلتها لتلك اللحظة التي أريد معها أن أصل للمكانة التي تستحقها تلك الكتب الفكرية الفلسفية القيّمة من صفاء ذهني واستقرار روتيني. اكتشتفت منذ فترة أنها أصبحت في عيني تافهه، وأنا بعيد جداً من قرائتها، بل بدأت بمحاكمتها قبل قرائتها. أخبرني بالله عليك ما الفائدة من قراءة كتاب يتحدث عن الفساد الأخلاقي لدى الغرب، وأنت قبل قليل كنت مع مجموعة من الشباب يتحدثون عن مغامراتهم الجنسية وعن التنافس بينهم في عدد البنات الذين حصلوا عليهم خلال الأسابيع الماضية، والذين سينامون معهم خلال الأيام المقبلة؟ ما الفائدة من قراءة كتاب يتحدث عن الاستهلاكية والرأسمالية، وأنت يوم أمس كنت تسمع شكوى والدتك من أنها سمعت اثنتين انتقدتا مرأة لأنها لم تضع على العشاء إلا نوع وحيد من الحلويات؟ ما الفائدة من أن تقرأ عن البطل الذي أقام ثورة في بلده ضد تلك الحكومة الفاسدة، وأنت اليوم تصلي الجمعة ويدعى للفاسد بأن يحفظه الله لنا وعائلته؟ ما الجديد الذي ستضيفه تلك الكتب؟ ما الجديد الذي سيضيفه لك الوعي؟
عندما يفقد الناس هنا القيمة لمعنى الأشياء السامية، ويصبح المؤمنون ملحدين بشكل ما أكثر من الملحدين أنفسهم، واستهلاكيون أكثر من الرأسماليون أنفسهم، وجنسيون أكثر من تسويق هوليود للجنس، ويسقط ذلك المتسامي، ويصبح الكلام عن المتسامي العالي شيء مضحك، وتشعر أنت به مضحكًا قبل المستمع، هنا تقول ما الفائدة؟ في أي فراغ نعيش؟ وتجدك تكرر ثم ماذا؟  وتفقد الأمل حتى في تساؤل: من أين ابدأ، وماذا أفعل؟
حتى الفن لم يسلم، وهو العصا التي نتكأ عليها محاولين بكل سبل التأويل والمتعة أن يُخرج لنا من هذه الدنيا معنى، لم يسلم من هذا التشويه. مات الفنانين، وأصبحت اللوحات التافهه لها معنى، وهذا ضرب بالمعنى نفسه. ففي الوثائقي من قناة البي بي سي لأغلى عشر لوحات في العالم هذه اللوحة التي تحتوي على ثلاثة مستطيلات بألوان مختلفة الزهري، الأصفر، الأبيض. يعبر عنها أحد المهتمين بالفن بقوله إن الفنان حاول أن يبين لنا انتقال المشاعر في الإنسان وتحولها ! يا للسخرية .. ولكن لا سخرية، أنا آسف، لأنه يبدو أن العالم كله يتجه مع هذا المحلل العظيم بقلب كل شيء لا معنى له إلى خانة المعنى، وتقصى تلك القيمة الحقيقة للمعنى.
ثم تظهر لي فكرة الدين. وأقول أنه هو الحل. ولكن صورة الدين الحالية ليست كذلك. فلم أعرف أن الدين يتحول إلى بشر من لحم ودم ويجب أن يدافع عنه. ويوصف الدين بأنه ضعيف! وظهر لي أن المؤلفات الدينية لم تضف إلينا شيئًا، والتعامل مع الحسنات والثواب وفلسفة الأخلاق والبحث عن المعنى كلها لم تكن في مخيلة هذا الشعب الديني. بل تم التعامل مع الدين بشكل رأسمالي بحت، تجميع حسنات، وبيوت وعدد من النخلات في الجنة، فقط كرر وقل. لا يهم بالطبع أن تفهم، لكن قل وكرر، اقرأ القرآن كاملاً حتى تحصل بكل حرف سبعة حسنات، ثم اضرب كل حرف في القرآن بسبعة تحصل على نتيجة تساوي مليارات من الحسنات. هي بشكل ما صورة دينية لفاتورة لأحد الشركات الكبيرة. هكذا يتم التعامل مع الدين بصورته الحالية، والتي تدفع الإنسان أكثر وتقصيه من دائرة المعنى، فالمعنى لا يوجد عند الملحد ولا يوجد لدى المؤمن، فكلاهما في خانة واحدة، كلاهما لا يتعامل مع هذا العالم ويفهم معناه، ولكن كلاهما يريد هذا العدد سواء من اللذات أو من الحسنات، ولكنه عدد في النهاية.
هناك تغريدة للصديق أحمد الحقيل كتبها في التويتر وأنا أنقلها هنا، يقول:
“طيب وإذا فهمت؟! هل أنت مقتنع أن شيئًا ما سيتغير؟! أنك مرتبط بما تدرك لدرجة الانصياع لما تستنتجه؟! غالباً ستظل نفس الشخص اللعين الذي أنت عليه.”
هذا تمامًا ما قلته لنفسي وأنا أنظر لتلك الكتب المتراصة في رفوف مكتبتي: “طيب وإذا فهمت؟” ثم بعد ذلك قررت فعل أمر واحد فقط هو: الإنتظار.