Category Archives: حرّ

الفنان الواضح والجمهور المعقد

0

كتب في 2014/08/01 عن طريق

الفنان حالة استثنائية دائماً. طريقته في الحديث، الجمل التي تخرج من فمه، إجاباته، حركاته، ابتسامته، طريقة صياغته للجمل، فعل السحر الذي يسيطر عليك وأنت تشاهده، كل هذا إنعكاس تام لفنه. لذلك لطالما كانت مقابلات الفنانين والحديث معهم أمر آسر وسحري.

وقبل أن أعرج على حديث الفنان، شاهد معي عزيزي القارئ الصورة في الأعلى المعنونة بـ “زواج”، تأملها بروية. رسم الفنان الأمريكي آندرو وايث، فناني المفضل خلال هذه الأيام (الفنان الأول دائم متغير عندي، آسف)، هذه اللوحة بشكل متقشف. الألوان وواقعية الشكل تدعني أقول أن اللوحة متقشفة، وفي نفس الوقت االتقشف ذاته هو ما جعلني أقف مبهوراً أمام هذه اللوحة. هل هذا هو شكل الزواج فعلاً؟ لماذا عجوزين؟ ولماذا الزواج يرتبط بكبر السن؟ لماذا نائمين، وما دخل فعل النوم في الزواج؟ هل هما نائمان أصلاً؟ أم وافتهم المنية معاً وهم نيام؟ السكينة في الصورة من على وجه العجوز القريبة؟ النافذة المفتوحة على العالم الخارجي، ورمزيتها؟

نستطيع أن نأخذ كل تساؤل على حدى، وأن نجيب بشكل مطوّل جداً على الأسئلة أو نحاول ذلك، وأن يفسر كل منا ما يشاهده. لكن تجيب عن هذا حفيدة الفنان آندرو عن معنى ما يرسم جدها، وهي التي عملت منذ الرابعة عشر كمرشدة في متاحف فنية لأعمال جدها، بأن جدها لا يضع أي رمزية أو معنى في اللوحات، بل كان يستغرب من تعقيد الجمهور وحبّه الشديد لوضع معاني للوحاته، ومقاصد من خلف كل شكل، فالجد ذات مرة رسم لوحة فيها معطف معلق على الجدار، وتفاحة موضوعة على حافة النافذة، فجاء الجمهور وتسمعهم حفيدة الفنان يتهامسون عن معنى التفاحة والمقصد من المعطف، فكانت حفيدته تعود له وتسأل جدها هل فعلاً هناك معنى خلف التفاحة، فكان يجيب عليها بقوله: بتاتاً، كل ما في الأمر أن المنظر أعجبني ورسمته!

ونعود لحديث الفنان وسحر حديثه، يقول آندرو في أحد مقابلاته وقد يكون لهذا علاقة بأسلوبه المتقشف وألوانه الخشنة الكئيبة، بأنه دائماً يلجأ إلى إحداث صدمة في الناس من حوله حتى يحصل على الحقيقة.  فذات مرة مات له صديق، وأراد أن يرسمه، يقول ذهبت مباشرة إلى أسرته وطلبت منهم أن أرسم الميّت، بشكل مباشر وصادم، يقول أجابوني بنعم وعلى أعينهم الدهشة.

الحقيقة أني لا أستطيع أن أتفق مع آندرو وحفيدته بخصوص الشكل، وهذا مبدأ “الإنطباعيين” الجمال في الشكل. إلا أني لا أستطيع أن أشاهد في واقعية آندرو شكلاً فقط! ولا أريد أيضاً أن أحملها ما لا تحتمل، ولكن في لوحاته سرّ عجيب يلامسني بشدة، ولولا الخجل لقلت أن لوحاته تجعلني أريد البكاء، لكثرة ما تصيب شعور ما لا أعرفه. كل لوحات آندرو تدور حول هذا السر الذي لا أعرف كيف يصاغ إلا أني أشعر به تماماً. لوحة “زواج” هي أكثر لوحة تشعرك بهذا السر العجيب، ولو سمعني آندرو لضحك. ولكنني متأكد أن هناك شيء أكثر من الشكل في الوحة، إلا إن كان الشكل بذاته هو الذي يحركنا بكل هذه المشاعر! ولهذا أعتقد أن الثلاثة هؤلاء لا يمكن فهمهم ولو أُلفت في العلاقة بينهم ملايين الكتب (الفنان وعمله والجمهور).

أفضل الشتاء والخريف لأنك من خلالهما تشاهد الهيكل العظمي للطبيعة من حولك وشعورها بالوحدة، وبموتها في الشتاء. هناك شيء ينتظر خلف هذه الطبيعة، القصة لا تظهر كاملة. أعتقد أن أي شيء مشابه لها، وأقصد به قدرته على أن يظل ساكنًا وصامتًا، لديه القدرة على أن يُظهر شعور الإنسان بالوحدة. هل من الممكن أننا تعساء لأننا فقدنا فن الإختلاء والشعور بالوحدة؟

هل يكمن السر في لوحات آندرو الذي تحدثت عنه في وصفه هذا؟

عجوز كوروساوا وعجوز كامو

0

كتب في 2014/07/01 عن طريق

91F+0dV3lUL

قبل حوالي شهرين، التحقت بمادة “الفلسفة من خلال الأدب” في جامعة كامبريدج عن طريق الإنترنت. وكانت المادة عبارة عن مجموعة قراء تديرهم أستاذة حاملة شهادة الدكتوراة في الفلسفة، وتقدم لنا القصص التي يجب أن نقرأها تحت مواضيع معينة كل أسبوع، مثل “الحياة والموت” و”الواقع والخيال” .. الخ. في أول أسبوع، أعطتنا قصة لألبير كامو، ولم يسبق لي أن قرأت أي شيء لهذا الفرنسي. والحقيقة لا أحمل تجاه هذا الكاتب أي مشاعر مسبقة، فالفراغ هو المسافة بيننا، لا كما أشعر تجاه يوسا مثلاً الذي لم اقرأ له أي رواية ومع ذلك أشعر بالكثير من السلبية تجاه كتبه، ولا أحمل لكامو الشعور الذي أحمله مثلاً هرمان ميلفل الذي أعتقد وبشدة أني سأغرم بـ”موبي ديك” رغم عدم قرائتي لها. كانت قصة كامو بعنوان “أصوات من الحي الفقير” وكانت من كتاب له بعنوان “Youthful Writings“. قرأت القصة وأغرمت بكامو مباشرة. رغم السوداوية والحزن والكآبة الشديدة في القصة، إلا أن أسلوب كامو كان مرهف الحس جداً، المشاعر في القصة كانت حقيقة، لم تكن مبتذلة بتاتاً، ووقعت في شباك شخصية عجوز بائس في قصة كامو. وكما يظهر من عنوان القصة “أصوات من الحي الفقير” لم يقصد كامو تمامًا فقر المادة، بل فقر الروح، وهذا ما تداوله القراء مع الأستاذة في مجموعة القراءة، أي شخصيات القصة لم تكن تفتقر للمال، ولم يكن الحيّ أصلاً فقير، بل قاطنين الحيّ أغنياء، لكن الأصوات التي خرجت كانت تسأل وتتسول قليلاً من الحياة. وهذا ما جذبني في القصة: الجوع والبؤس الظاهر بقوة على شخصيات قصة كامو.

هنا أنقل جزء من القصة في صفحتين ونصف تقريباً، ينقل لنا كامو شخصية العجوز الذي يتسول الحياة رغم إنه على مقربة من الموت. الحياة عند هذا العجوز وتعريف الحياة أصلاً مختلف عنّ كلاً منّا، وهذا ما سبب لي رعشة وجعلني أتعلق بهذا العجوز، ثم من أين لكامو أن يرتدي مثل هذا الجلد المتعرفط لرجل عجوز ووجه عجوز وأحاسيس رجل عجوز ومشاعر عجوز، قارب على الموت؟ ويا للسخرية أن يكتبها في كتاب بعنوان “كتابات الشباب”. وخلال ترجمتي للنص، تذكرت بأني كنت أرغب في مشاهدة فلم Ikiru للمخرج الياباني كوروساوا، والتي تتحدث أيضاً عن عجوز يعمل في دائرة حكومية لمدة طويلة جداً تتجاوز الخمسة وعشرين سنة ثم ما يلبث إلا أن يكتشف أنه مصاب بسرطان المعدة، فيظهر له مباشرة هذا السؤال: هل عشت حياتي حقاً؟ بعد ذلك تظهر ردة فعل العجوز تجاه هذا السؤال، ويظهر لي التشابه بين عجوز كامو وعجوز كوروساوا، كلاهما يشعر بالارتباك الشديد تجاه نهاية الحياة.

في قصة كامو، وفي بداية القصة يتحدث الرجل العجوز لمجموعة من الشباب ينتقل بهم بشكل سريع جداً بالحديث عن حياته وعن ماله وإدخاره للمال ومن ثم عن خطيبته وعن رأيه في  الشباب اليوم، محاولاً أن يتمسك بأي شخص يستمع له، فكيف إذا وجد مجموعة من الأولاد العابثين المستهترين بما يسمعون؟ وهذا المشهد تحديداً ورغم سطوره القليلة إلا أنه آسر جداً، وحزين جداً، لا تملك معه إلا أن تلعن الفقر الإنساني. تتسول إلى مستمعين، هذا ما يقوله كامو، العجوز كان يبحث عن مستمعين فقط، لماذا يكون هذا الأمر صعباً؟ “ولأنه رجل عجوز كان الصمت بالنسبة له مستحيلاً”، يا إلهي كيف يستطيع كامو أن يحول أمر يسير عادي جداً، إنسان يستمع لآخر، لشيء مفجع وحزين، العجوز تائه في الشارع يتسول من يستمع له!

أما عند كوروساوا، العجوز وجد الجواب على الحياة كما يفسرّها الصديق علي الزيبق  بشكل رائع كالتالي:

عندما يترك واتنابي (عجوز كوروساوا) الحان، يلتقي بموظفة صغيرة كانت تشتغل في دائرته، و كانت مشهورة بنكتها العديدة و روحها المتوثبة الشابة. تطلب منه الموظفة توقيع قرار استقالتها، إذ أنها لا تستطيع المضي في هذا العمل الجاف. ينظر إليها واتنابي، و يتمتم في نفسه: الحياة تتفجر من هذه، إذا كنتُ أريد أن أحيا حقيقة قبل أن أموت، إذا كنت أريد أن أعرف سر الحياة، فلا بد أنني سأجد الإجابة عندها.

لا أريد أن أفسد الرحلة الروحية و الفكرية لواتنابي على القارئ، و لكن مشهد العثور على إجابة هو من أكثر المقاطع براعة. إذا يحاول واتنابي الضغط على الشابة المسكينة كي يعرف سرها داخل مطعم يعج بفتيات ينتظرن قدوم صديقتهنّ للاحتفال بعيد ميلادها. عندما يجد واتنابي الإجابة، يهرعُ نازلا الدرج، بينما تصعد الفتاة المحتفل بها، لتستقبلها زميلاتها بأغنية: Happy birthday to you.. بهذه الطريقة يحتفل كورساوا بطريقة خفية مع المشاهد بولادة واتنابي و انبعاثه من جديد.

vlcsnap-2014-07-01-21h01m19s41

وجد عجوز كوروساوا من يتشبث به وهي الفتاة الموظفة الصغيرة، وحصل على ما يريد، رغم أنه يتشابه مع عجوز كامو بالإلحاح على أن يُسمع له. كلاهما كان يتسوّل شخصاً يستمع له، ونشاهد حتى في فلم كوروساوا كيف أن العجوز طلب من الفتاة قبل أن يلتقيها بأن تخرج معه، ملحًا بذلك، ولو ليوم واحد وأخير. الفرق الجوهري بين الاثنين هو أن كاموا هنا كان يسلط كميرته على مشاعر العجوز وما يشعر به، واصفاً كل هذا الاستسلام الكئيب والرغبات الغير محققة. أما عجوز كوروساوا فكان السؤال مختلف، وهو ما العمل تجاه قدوم الموت؟ هل عشت الماضي حقاً؟ وما معنى أن تعيش؟ وهذه الأسئلة كلها ظهرت فقط عند علمه باقتراب الموت.

وأخيراً، يجب أن أنوّه على أن كامو كتب هذه القصة بأسلوب غريب، يعتمد على الجمل القصيرة المتتالية. ولذلك المباشرة في وصف المشاعر ثم بعدها الانتقال لفعل العجوز ثم بعد ذلك الانتقال إلى وصف ما يشعر به عجوز كامو، كلها قد تأتي بشكل جمل قصيرة. وأعتقد أن كامو عند كتابته لهذه القصة لم يكن قد وصل للنضج الفنّي كروائي. فكما قرأت أن كتابه الذي ألحقت به هذه القصة قد كتبها وهو في سن صغير، في بداية العشرينات.

أتمنى أن أكون وفقت في الترجمة ولو قليلاً، وتكون الترجمة محمله بالحسّ الذي شعرت به وأنا اقرأ قصة كامو:

قال بصوتٍ يعلوه البهجة؛ وبحاجبين معقودين ناصية سبابّته ؛ “بالنسبة لي، كان والدي يعطيني خمسة فرنكات من مرتبي أسبوعيًا؛ تكفيني حتى انقضاء السبت الذي يليه. وما زلت، حتى هذا اليوم من حياتي، أملك القدرة بإدخار القليل من المال. وقبل كل شيء، كنت أجرّ قدميّ طويلاً لأرى خطيبتي، أربعة أميال ذهابًا وأخرى مثلها في العودة .. فقط استمعوا إليّ، الشباب اليوم لا يعرفون كيف يسلّون أنفسهم.”

 كان هناك عدة مقاعد تحيط بطاولة يشغلها ثلاثة أولاد ورجل عجوز. كان المسّن يحكي لهم مغامراته الأثيرة، وحكاياته التي كانت عبارة عن  تعريف لما كان عليه في الماضي: تضخيم للحماقة والمزاح بصورة مبالغ فيها، واعتزاز وتمجيد بأمور كانت على السطح. لم يترك فسحة للصمت او للتوقّف؛ كان يتحدث على عجل .. يجري معه الكلام متدفقًّا دون انقطاع كما لو أنه يريد أن يُخرج كل ما لديه قبل أن يعود لوحدته، وهو لم يكن يحكي ما قد وقع له في الماضي حقيقةً بقدر ما كان يحكي بشكل يتناسب مع جمهوره ليبقيهم معه. كانت صبغته السيئة هي تركه الناس مستمعين، وهو بتلك الصبغة يرفض بأن يرى على وجوه الآخرين تلك النظرات الساخرة والمستهترة التي تظهر عليهم حال تحدّثه .. للجموع التي حوله، للناس .. لبقية البشر ماهو سوى عجوز .. طاعن في السنّ كأيّ عجوز آخر ولد وترعرع في زمن ماضٍ رائع، بينما على العكس، كان يشاهد نفسه ثقيل الوزن بتلك الخبرة الحياتية التي يمتلكها كرجل مسنّ، لكن الأولاد لايعلمون بأن الخبرة هزيمة، وأن الواحد منا يحتاج إلى أن يخسر الكثير ليعرف القليل من خلالها. وكرجل اقتطعت منه الحياة كثيرًا لقد عانى كثيراً، أكثر ممّا كان أن يُخبر أو يقصّ ؛مؤمناً بذلك اليقين الذي يخبره بأنه حصل على مكانه رفيعة بكونه يشعر بالسعادة. وحتى لو كان مخطئًا حيال ذلك، سيبدو الأمر أكثر تضليلاً لو أراد أن يحرّك الناس من خلال تعاسته. ثم ما أهمية معاناة رجل مسن عندما تحتل الحياة كل وجودك؟

تحدث، وتحدث، متلذذاً بشكلٍ أضاع طريقه بصوته الكتوم. ولكن لا يمكن أن يستمر، متعته نادته للإنتهاء، وتضاءل انتباه المستمعين له. لم يعد حتى ظريفًا يقص الحكايات ويأنس السامعين؛ كان هرمًا. أما الأولاد فلم يستمرو في التحلّق حول هذا الأبله العجوز وذهبوا للتسلية بلعب الورق والبليارد. وعاد وحيدًا بعد محاولاته المتكررة  بأن يجعل من حكاياته مادّة مسليّة، وجاذبية ترهف لها الآذان طويلاً، إلا أن ذلك لم ينجح .. هكذا يتكرر الأمر في منتصف حديثه يتركه الأولاد فيرجع وحيداً بصحبة المنضدة . وحيداً مرة أخرى. لا أحد سيرهف سمعه إليه مجدداً، فكّر بأن المؤلم ليس في أن لا أحد سيستمع له مجددا بل في الفكرة المفجعة وذلك عندما يكون المرء مسنًا. فيحكم عليه بالصمت والوحدة، بالموت قريباً. وهذا يعني أن لا فائدة من العجوز؛ وحديثه وقصصه المرويّة .. لاأهمية يكتسبها فتتلقّاها العيون وتصغي لها الآذان لأن خاتمة حياته  اقتربت، لم يتوقف الأمر إلى هذا الحدّ .. كان الهرِم في أعينهم عجوز يُشمئز منه وذو حضور مزعج ولئيم ويحمل كل الصفات التي تجعلهم يقررون بأنه يجب أن ينأى بنفسه بعيدًا، إلا إذا امسك لسانه: هذا أقل شيء يجب عليه أن يفعله. ولأنه عجوز، كان يعاني من عدم قدرته على الصمت.

غادر مكانة بابتسامة وزّعها على الجميع وبخِل بها على نفسه . وهو إذ يهمّ بالمغادرة قابل وجوهٌ عدة، وجوهٌ تحدّق بفرح، لكنه لا يملك الحق في مشاركتها هذا الفرح. وبمشيته المتمهلة، بخطوة صغيرة كحمارٍ مجهد، أسرع من مشيه على الرصيف الممتلئ بالناس.

شعر بالسقم .. لم يرغب العودة إلى بيته. منزله الذي عادةً ما يكون سعيداً حال عودته له؛ طاولته، ومصباحه الزيتي، وتلك الصحون التي حفظت أصابعه جيداً أماكنها. فهو ما زال يفضل أن يأكل عشاءه في صمت، وفي الجانب الآخر زوجته العجوز، تأكل الطعام بكميات صغيرة، وبرأسٍ خالٍ، وبعينين مغلقتين كميتة لا تقوى على فتحها. العشاء الذي قامت العجوز بتحضيره أصبح بارداً، زوجته أصبحت ترقد دون أن يساورها القلق عليه، ترقد باطمئنان يكتسيها لأنها تعلم أنه يعود أحيانًا في ساعة متأخرة من الليل. ثم تسرّ في نفسها:” إنه يقطن القمر مرة أخرى.”

أصبح الآن يمشي وحيداً بخطوات محسوبة متمهلة وبهيئة رزينة. الهيئة التي حتّمتها له الحياة المسنّة. وعند نهاية الحياة، تخرج من الشيخوخة أمواج من الغثيان؛ اذ ليس بالأمر الممتع بأن تدير العجلة دون أن تملك القدرة على العودة إلى النقطة التي ابتدأت منها. وماذا لو استمرت العجلة في الحركة أو أن الأشياء جميعها وصلت للحد الذي لا يريد أحد أن ينصت لها بعد الآن؟ لماذا الناس لا تريد الإستماع إليه؟ الأمر جداً سهل لخداعه. ابتسامة محيّا، شيء من اللطف.

كان العجوز يرى أنه لا مفر من أي شيء، حتى الليل أتى، ولا مفر منه. مشى  والصمت يحيطه، وانعطف داخلاً أحد المحلات عند نهاية الشارع فتعثر، ثم سقط. لقد رأيته. كان منظره مضحكاً، لكن ماذا سيفعل أيًا منّا؟ بعد كل شيء، فضّل العجوز أن يظل خارج المنزل. بعد ذلك، دخل رجل طويل مرتدياً بدلةً مشعة. جلس مواجهاً العجوز. ومضت الدقائق ولم يقل حرفاً وظل جامداً في مكانه. ومن فترة لأخرى كان يمسد شعره بيديه، ويتنهد بخفة. وبعد أن ظّل يشاهد العجوز لمدة طويلة بعينين مكتئبتين، قام منصرفاً بصمت. وعندما صدر صوت إنغلاق المزلاج قام العجوز من مكانه مغادراً وهو يشعر بخوف يملئ معدته.

قابل قليل من الناس عند خروجه، لم يكن وحيداً أبداً. لا شك بأنه مريض، بل قد يسقط من مرضه قريباً، أنا متأكد من ذلك، وستكون هذه نهايته.

بدأت تصطبغ على وجهه علامات الحمّى، خطواته الصغيرة كانت تخبره بأن: غداً سيكون يوماً مختلف. وفجأة يأتي اليوم الذي يليه فيدرك أنه نسخة مكررة من يومه الذي سبقه وهكذا الأمر مع بعد غدٍ .. الأيام المتشابهة التي لا يعبرها الاختلاف هي ما تثقل كاهله، مثل هذه الأفكار هي ما تقتل. فكّر بأن الرجال يقتلون أنفسهم بمثل هذه الأفكار التي لا يستطيعون تحملها، ولو كانوا شبابًا لحولوها إلى سخرية.

خّرِف، مجنون، سكران، لا أحد يعرف. سينتهي بشكل رائع، بوجه ممتلئ بالدموع. سيموت بشكل جميل، عفواً، أقصد بشكل محفوف بالمعاناة، وهو يعزّي نفسه بهذه النهاية، وإلا أين يذهب؟ سيظل عجوزاً للأبد. تبدّد نور الشوارع .. بدت الطرقات أكثر ظلمة من ذي قبل، قّل عدد المتسكعين، لم يعد يشعر بالمارّة رغم إحساسه بأصواتهم التي ظلت تمر من جانبه. وفي ذلك الأمان الغريب والمهيب من ذلك المساء، وبصيص من نور ما زال خلف أعالي المدينة، ومن مكان مجهول،  تصاعد الدخان وبشكل بطيء وعلى شكل طبقات كما لو كانت شجرة صنوبر من أعالي التلال، أغلق العجوز عينيه، كل هذا يعود له ويعود للآخرين. كما لو كانت الحياة غير آبهة بكل ماتحمله مدينته من حماقات ؛أو لكأن السماء ابتسمت بصورة لامبالية بصورة أغاظته باستهتارها. لقد كان وحيداً، منبوذاً،  عارياً، ميتاً.

هل أحتاج إلى الحديث عن الوجه الآخر من القطعة المعدنية؟ بدون شك، في غرفة انكسر ضوءها، كانت الزوجة العجوز ترتب سفرة الطعام تحضيرًا للعشاء .. وهي جالسة تطلعت إلى الساعة المعلقة، انتظرت قليلاً، ثم بدأت تقرّب الطبق من أمامها .. شرعت في أكل تلك الوجبة الدسمة وهي تقول لنفسها “إنه يقطن القمر”.

 

الحداثيين أصحاب الاصبع الأوسط

0

كتب في 2014/03/11 عن طريق

04

في تأمل كل فكرة نوع من الملل. الضجر نفسه أصبح مملاً، العبثية والعبثيين أصبحوا مملين. لا جدوى من إعادة الحديث عن شعور الإنسان بالضجر وما الحل تجاه هذا الضجر وتجاه هذه الحياة. التعاطي مع الحياة على أنها مشكلة أصبح مملاً. ما اكتبه وما سأكتبه سيكون ممل. الفكرة ببساطة أننا في وقت سمح لنا بمشاهدة كم هذه الدنيا تكرر نفسها بأشكال مختلفة بوضوح. إدعاء العمق أصبح مملاً، لا لأنه ممل في ذاته، بل لأن الجهد في التعمّق والدقة يتطلب مجهود والمجهود أمر ممل. أخذ الأمور بسطحيتها، ممل ببساطة. فكرة العودة إلى الأصل صعبة ومستحيلة. من سيقف في مد الحداثة؟ كلمات مثل الحداثة والحداثيين مقززة. الخلق الجديد ومحاولة الإبتكار أصبح مملاً، لأن الجميع يخلق جديداً، لدرجة التشابه.
كثرالذين يشعرون بالملل ويرفعون اصبعهم الأوسط للحياة، للناس، للمجتمع، للعمل، لكل شيء. لا يملكون سوا هذا الشعار وهو رفع الاصبع الأوسط، وقبلهم رفعه كثير، الفرق أنّ جودة الاصبع تختلف من شخص لآخر. فرونسكي وآنا كارينا رفعا الاصبع الأوسط للمجتمع بطريقتهم الخاصة. انتهت آنا بالانتحار وانتهى الأمر بفرونسكي بالانضمام لجماعات المقاتلين. هل رأيت النتيجة؟ لم يستخدم السيد ليفين الاصبع، ظلّ متماسكاً ضد الحداثيين (أصحاب الاصبع الأوسط، وأعتقد لن يغضب بعضكم من إضافة تعريفي الخاص بالحداثيين) وطريقتهم رغم افتتانه بهم في بعض الأحيان، الأكيد أن ليفين كان مختلفاً عنهم بأصالته، رجل مجتهد، يعمل، يبحث، ينظّر، يفكر. نهايته كانت الشك. لا مجال إذاً من كون النهاية درامية في نهاية المطاف، وإن كانت حدة الدراما تختلف من الحداثيين عن سائر غيرهم. وهنا أنا لا أعطي نتيجة واضحة أو معادلة رياضية أكيدة بالطبع. لكن المعلم تولستوي أوضحها بشكل كامل، كنّ حداثياً وارفع اصبعك الأوسط وستصبح نهايتك بائسة حزينة، ولا أظن أن الحداثيين يرون في الانتحار نهاية حزينة أو بائسة كما وصفتها أنا. ولكن دعونا نتأمل في آنا التي اقدمت على الانتحار أمام القطار رامية بنفسها بعد هلوسات سببها أنها قذفت بنفسها إلى داخل نفسها كما وصفت حنه أردنت ذلك بقولها: “الإنسان الحديث لم يرم خارج العالم ولكنه قذف إلى داخل نفسه.” قذفت بنفسها داخل عالمها المليء بالخوف، بالحيرة، بالشك وانتحرت. نعم انتحرت، من يملك الجرأة على الانتحار من الحداثيين الآن؟ منظّرين جيدين حول الانتحار ومفاهيمه وأسبابه، لكن لا أحد يقدم عليه. مجرد ذكره وطرحه كخيار ولو ضئيل مضحك جداً. آنا قالتها لمعشوقها فرونسكي سأقتل نفسي. نعم قتلت نفسها، أنت لا تقولها عزيزي صاحب الاصبع الأسط. هنا الفرق بين جودة الأصابع. وما أجمل وأجود اصبع آنا كارينا.
ليفين رُمي أو قُذف داخل نفسه أيضاً، الجميع رمى بنفسه داخل نفسه، صحيح، لكن ما الذي جعل ليفين مختلفاً؟ هؤلاء شخصيات تولستوي الأصيلة الأصلية من أمثال ليفين، والحاج المراد، أصحاب المبادئ لماذا يجعلهم تولستوي ينتصرون في النهاية؟ أنا لا أعرف، الإيمان؟ الإخلاص؟ حب الخير؟ ممكن، لكن ولأن كلاً منا الآن بداخله كائن صغير منتمي للحداثيين، يرى مثل هذه الكلمات بنوع من الاستخفاف. بينما قد تكون الخلاص بذاتها. لا أجد أجمل من اقتباس لكيركغارد يمثل الحداثيين في عيني الآن. يقول:

اندلع حريق خلف الكواليس في المسرح. خرج المهرج محذراً فصفق الجمهور وضحكوا معتقدين بأن المهرج يلقي نكته. أعاد المهرج تحذيره، فتضاعف تصفيق الجمهور، هكذا وفقط أعتقد سيصل العالم إلى نهايته: تصفيق العامة المؤمنين بذكائهم بأن نهاية العالم مزحة.

تماماً، هنا الحداثيين أصحاب الاصبع الاوسط يقومون بهذا الفعل. التصفيق والضحك بكل ما يتعلق بما قام به ليفين، من حب للخير، من بحث عن الحق، من الإيمان ذاته. هذه الأمور تحتاج إلى عمل، لا يجيد المصفقون المتباهيين بذكائهم مثل هذه الأمور، يجيدون الهزل، الضجر، الحديث عن الضجر، عن الانتحار، عن الكآبة، عن عبثية هذه الحياة. لا مجال للتفكير، التفكير يستهلكم، الهزل سهل، العمل متعب، الضحك على ما يسمّو بالإنسان أريح. الخيانة التي يمجدها الحداثيين، الاستهتار بكل ما يتعلق بالأسرة، بالزواج، بالإنجاب، التمجيد للعلاقات العابرة، الجنس الرخيص، الوحدة ، وضعها تولستوي بجدية وبخط زمني له بداية ونهاية. البداية كانت بأن آنا كارينا خانت زوجها، نهايتها كانت الانتحار. هكذا يرى تولستوي المسبب والنتيجة. تولستوي كان واقعي، يعرف أن نهاية كل ما هو خطأ الموت. لا يجب علينا أن نأخذ الإنتحار كفعل في حد ذاته في رواية تولستوي، ولنأخذها كرمز. النتيجة عند المعلم تولستوي واضحة. كل مسبب خاطئ نتيجته الانتحار. هكذا اقرأ كل حداثي لا يجيد سوا الهزل والضحك والاستهتار والبكاء بما يدور حوله. بل دعونا ننظر إلى أصالة شخصيات بيرقمان في “الختم السابع” الفارس يذكرني كثيراً بليفين، كلاهما يقتلهما الشك. لا يسخران من مسألة الإيمان، يعلمان قيمتها، لا يسخران من تفاهة وضحالة الآخرين فالسخرية سهلة ويجيدها الجميع، ولكنهما رغم شكهما يبحثان عن الحقيقة. تقف شخصية الفارس ممسكة برأسها تسأل الله أن ينقذها من هذا الخوف والشك الذي يشعر به، الفارس قد يكون ملحد، ولكن لا شك الموت قادم، وهو يعرف قيمة ما يشعر به. من يسأل الله الآن، رغم قلقه وإلحاده؟ لا أحد. ولكن من يسخر من الله؟ الجميع. نحن الحداثيين أصحاب الاصبع الاوسط الذي لا نجيد شيئًا سوا الهراء. أخيراً، أنا لست مسؤولاً عن فهمك من هم الحداثيين هنا.

مهرجان فني

2

كتب في 2013/11/10 عن طريق

شعور الرغبة في الكتابة عن مشاعري تجاه بعض الأعمال الفنية، مرهق. دعنى أخبرك شيئًا، أنا مدين لهذه السنة بالكثير، أشعر بأني دخلت نادي لتمرين لياقة الحس الفني، اسم جذاب صحيح؟. تخيّل، منذ متى كنت أعتقد أني سأحب الرسامين الانطباعيين؟ ستقول لكن هذا الأمر نسبي لا علاقة له بالتمرين الفني، ولكن دعني أخالفك قليلاً، أشعر بأن تذوق الفن هبة من الله، كل إنسان يتذوق الفن بطريقته الخاصة، لا شك في ذلك، ولكن أعتقد أن الإنسان يستطيع أن يدرب هذه الذائقة أو هذا الحس لديه كما لو كان يدرّب عضله من عضلاته في أحد النوادي الرياضية. كيف يدرب الإنسان ذائقة الفن لديه؟ الجواب بكلمة واحدة: بالتأمل.
تعتقد أنني حينما قرأت البؤساء لفيكتور هيوقو أن حاسة الذوق لم تتغير؟ هل تعتقد أن مشهد حمل كوزيت لسطل الماء الكبير ليلاً وهي تحمله بيديها الاثنتين الناعمتين، والنجوم تشاهد البراءة بأكملها تتعذب تحتها، مشهد لا يحرك في الذائقة شيء؟ دعك من الرحمة والشفقة، لا، أنا أتكلم عن الذائقة الفنية. عموماً هذا ما أؤمن به. هذه السنة كثر من الأعمال رفعت من ذائقتي الفنية والأدبية.
أنا ممتن لهذه السنة لأنها عرفتني على أبله دوستويفسكي٬ ذاك الإنسان البريئ الذي يعرف الشر لكن لا يرتكبه. ولذلك هو أبلهاً في عين المجتمع. أنا ممتن لدوستيوفسكي لأنه سأل هذا السؤال العظيم: “لماذا تخلق الطبيعة أفضل الناس، لتسخر منهم بعد ذلك؟” دعك من دوستيوفسكي، ألم تقرأ سيرة حياة غريب الأطوار صاحب السيمفونية الأشهر في العالم، بيتهوفن؟ ألم تقرأ رسالته لأخيه وأحرفه تبكي دماً متسائلاً لماذا يفقد أكثر حاسة يحتاج إليها، لماذا يفقد سمعه؟ وعلى ذكر السير ألم تقرأ سيرة السينمائي الكوميدي الإنساني تشارلي تشابلن؟ ادخل يا رجل في أعماق هذا الفنان، أدخل داخل هذا البريطاني لتعرف كيف شخصية المشرد نجحت كل هذا النجاح. لم تأتي شخصية المشرد العبقري الذي كان يلبس في فلمه “الطفل” الحذاء ليذكرنا بحذاء فان جوخ من عبث ومن مجرد عبقرية. هذا المشرد كان مشرداً حقيقةً، كان يبيع ملابسه وملابس والدته على الرصيف ليشتري الخبز. تشابلن قبل أن  يكون سينمائي هو أديب وكاتب عميق جداً، ورجل يملك قلب حزين. حتى أن أحد الممثلات في بدايات عمله الفني كانت تشاهد له عرضاً كوميدياً على المسرح، وعندما انتهى وشاهدها وجد دموعها تنهمر وقالت له: لا أعلم لماذا أبكي، رغم أنه كان من المفترض عليّ أن أضحك؟ هذه الممثلة شاهدت تشابلن في صورته الحقيقية. لا أنسى القشعريرة التي تلبستني عندما قرأت تعبيرها هذا وعندما ذكر تشابلن ذلك في سيرته التي أعتبرها من أعمق وأجمل السير. لا ترى في السير شيئًا مثيراً؟

shoes

دعك منها ولو أني أسخر منك، ولكن “أنت حرّ” وهذه جملة هذا العصر المفضلة، اقرأ للخيام، شاعر الخمر ماذا يقول:

يَا ليت كُلُّ حرامٍ مسكِرٌ لأرى
في الكونِ كُلَّ فتىً مِن ذَنبهِ ثَمِلاَ

وتعال معي لأستاذ القصة القصيرة، الذي أتخيل قصصه كما لو كانت “شعر بنات” تباع في الحدائق والملاهي من لذتها. دائمًا ما أشعر أن برانديللو واقف في وسط أحد الملاهي الكبيرة ويبيع قصصه على شكل شعر بنات، نشتريها بثمن بخس ونتلذذ بطعمها الحلو. ولكن انتبه، ما إن تدخل هذه الحلوى إلى جوفك حتى تشعر بالحزن. هذا هو برانديللو أجمل من قرأت له في القصة القصيرة. حلو المذاق في البداية، ولكنها مرّة في النهاية. عجيب هذا الرجل. عجيب!
ثم تعال بعد ذلك وقل لي أن كل هذا لا علاقة له بالذائقة الفنية. أن كل هذه الأحاسيس والأسئلة والرسائل، لا تحرك في حساسيتك تجاه الجمال والفن.
اترك عنك الكتب السمجة. أنا آسف يا سيدي، أنت لا تقرأ الكتب. مملة. قديمة. أصحابها ثقيلين دم.
ألا تشاهد السينما؟
قلي مثلاً أنك لم تشاهد فلم “الماضي” لأصغر فراهادي. وأنك لم تشاهد كيف لهذا الإيراني العبقري الحقير (تعتبر مدحه هنا) أن يقول أشياءً عن طريق ممثليه الذي يحركهم بطرق عجيبة مكوناً جملة من التعقيدات الإجتماعية تكبر مع مرور الفلم. كل أفلام هذا الإيراني الذي أنا معجب به حتى الموت تبدأ هكذا: مشكلة بسيطة، تعتقدها بسيطة، كما هي نظرتك للحياة من بعيد، مع مرور الزمن، تجد أن البساطة بدأت تختفي لتصل في نهاية الفلم إلى مشكلة لا حل لها. هكذا فجأة! الخيوط كانت منثورة على الأرض بشكل متوازي بسيط هكذا تشاهدها في بداية أي فلم له، في النهاية تجد أن الخيوط معقدة لمليون عقدة لا حل ولا نهاية لفكها. كل جملة، كل نظرة، كل حركه من شخصيات هذا الإيراني داخل أفلامه تكوّن عقدة جديدة. هكذا هي الحياة فعلاً، ملايين من العقد التي نحاول فكها ولا ننتهي.  يا الله من عبقرية هذا الرجل! ساحر والله.
طيّب يا سيدي أنت تكره الإيرانين لأنهم قريبون من العرب، ولا تحب السينما الإيرانية أو أي سينما غير هولودية لأن السيدة ميرلي ستريب كانت ترضعك من حليبها لذلك أنت لا تشاهد إلا هوليوود. هل شاهدت فلم “ياسمين الزرقاء” لوودي آلن، هههه ساخر هذا الرجل بشكل. طيّب أنا أراهنك أن حبيبتي كيت بلانشيت المظلومة إعلامياً، ستفوز بالأوسكار هذه السنة في دورها في هذا الفلم، انسَ القصة والتركيبة النفسية للشخصيات الظريفة في الفلم التي رسمها وودي آلن، ولكن استمتع بتمثيل بنت بلانشيت. شاهده من أجلها، تستحق ذلك.
إذا لم تحب وودي آلن لأن أفلامه بارده وأنت شخص لا يحب الأفلام الباردة، وتحب الإثارة، فتعلّم يا سيدي الإثارة من أحد أكثر المثييرين في العالم، تعلّم من نيكي لاودا. ليتك تتعلّم من نيكي لاودا الشغف في ممارسة شيء ما. شاهد فلم “رش” كأفضل فلم جديد بالنسبة لي خلال السنتين الماضية مع الفلم الإيراني “الإنفصال”. سنة ١٩٧٠، كان هناك فلم يبث مباشرة كل أسبوع للعالم، بين نيكي لاودا وبين جيمس هونت. الأول عبقري، محافظ، منظم، لديه هدف يريد الوصول إليه بكل مثالية، عكس المتسابق هونت، رجل سكير،عاشق للنساء،  يستنزف كل لذة من الحياة، ولذلك قال لاودا عنه: “استنتزف كل لذات الحياة لذلك لا غرابة بأن يموت مبكراً من سكته قلبيه.” التنافس بين اثنين من متسابقي  الفورملا، ولكن هذا ليس سباق سيارات، في هذا الفلم العظيم سباق شخصيتين مختلفتين، تجاه عمل واحد. ولتعتبر يا صديقي أن هذا العمل (بطولة الفورملا ون) في الفيلم كانت رمزية للحياة. فلم عظيم. حتى أن لتلك السنة ولهاذين المتسابقين صيت عالي لدرجة أن هناك وثائقي من البي بي سي عنهما. 

tumblr_mrdsc1R0BI1r4hhzeo1_500
ثم أيها السيّد المحترم، إن كنت لا تحب القراءة ولا السينما، فأنت مسكين، ولاحظ تطرفي هنا، أشفق عليك، بس أنا صادق معك لا أحب الكذب. فلعلك تحب اللوحات والفن. هل تستطيع أن تشاهد الجمال معي في لوحات فان جوخ؟ يا سيدي، هذا الرجل أعشقه، أحب لوحاته بشكل لا أعرف كيف أفسرها لك؟ تخيّل، أن لوحات هذا الرجل أحبها لدرجة أني لا أمل بتاتاً من مشاهدتها. لاحظ أنا هنا لا أستطيع أن أبرر لك لماذا أحبها؟ لأن هذا ما تعلمته من فان جوخ. لوحاته تقول أنت تستطيع أن تشاهد الجمال لكن لا تستطيع أن تفسره، عندما تشاهد وردة مثلاً، أنت تقول هذه الوردة جميلة لأن لونها أصفر، ولأن أطرفها بالشكل الفلاني، ولأن ورقها ناعم، ورائحتها جميلة ..الخ. فان جوخ، لو اقتربت بعينيك لتشاهد كيف يرسم ستجد خطوط بشعة، ضربة الفرشة لديه عند التدقيق تجدها غريبة لا جمال فيها كضربة مفردة للفرشاة، ولكن عندما تشاهدها كعمل كامل، أو عندما أشاهدها أنا بالأصح، لا أجد إلا الجمال الساحر! كيف؟ لا أعرف.
دعك من فان جوخ، أكيد أنت تعرف الرسام الروسي صديق البحر، وأجمل من صور البحر وحوله إلى إنسان، وكأن البحر له إنفعالاته الخاصة به، وكأن البحر يغضب ثم يهدئ، وكأن البحر له روح جمالية تعكس ما عليها، وكأن البحر يغني وفوقه الطيور ترقص، أكيد أنت تعرف ايفان ايفازوفسكي. تأمل في بحر هذا الرجل، تأمل البحر من عينيه، يا الله!
كاسبر فريدريك وشخصياته التي تلقيك ظهرها، هي قد لا تهتم لك، هي تهتم لمشاهدة الطبيعة من أمامها، لأنها تبحث عن الموت من أين سيأتي؟ من خلف الجبال، أم من خلف تلك الأمواج، أو من خلف تلك المساحات والغابات؟ طيّب حاول أن تشاهد رسمات الكئيبة الحزينة كاثي كيلوتز. شاهد لوحة الأمهات، ماذا تعني بها هذه الرسامة؟ لماذا الأمهات يضممن بعضهن بهذا الشكل؟ تأمل.
أخيراً ولقد تعبت من الكتابة والله لأقنعك أن الفن عضلة تستطيع تمرينها بالتأمل. استمع لموسيقى دوفوجراك وسيمفونيته الساحرة وكيف يتحرك الموسيقار قوستاف دوداميل. أذكر أني عندما استمعت لها لأول مرة كنت ممسكاً بهاتفي منشغلاً بمكالمة صديق، وبدأ المقطع من لحظاته الأولى والله لا أنسى كيف توقف كل شيء حولي ولم أشعر بأني تأخرت على الرد على صديقي هذا إلا بعد انتهاء المقطع كاملاً. المشكلة أين؟ أو بالأصح النعمة العظيمة هي أني ما زالت حتى هذه اللحظة عندما أستمع للمقطع استمع له وكأني اسمعه للمرة الأولى، ما زلت أملك الكثير من الانبهار والاندهاش والشعور الساحر لكل شيء في هذا المقطع.
يمكنك محب للتشيلو مثلي. فهي الآلة الأولى المحببة لقلبي، لا أعرف العزف عليها ولا أريد أن أتملكها أو حتى أتعلم عليها، كيف أصبحت إذاً آلتي المفضلة الأولى؟ بسبب بسيط، هي مفضلة لدي لأن جميع من يعزفون على هذه الآلة هم لا يعزفون ولكنهم يصلّون. صدقاً، انظر للعذوبة وللحركة هنا هل تعتقد أن هذه تعزف فقط؟ لا لا هذه تصلي صدقني.
يا صديقي العزيز، بعد كل هذا ألا تقتنع بأن الحس الفني لديك هو عضلة يمكن أن تمرّن كل يوم بالتأمل؟

 

تبرير الجريمة: ما بين والتر وايت وراسكولينكوف

0

كتب في 2013/10/01 عن طريق

Photo Message - Lamia AQ - 2013-10-01 210423875

بقلم: لمياء القحطاني. 
بعد انتهاء حلقات المسلسل الأشهر تلفزيونيا هذا الموسم مسلسل بريكنج باد والذي أرى أنه أشبع نقداً وتحليلاً لذلك سيكون حديثي مختلفاً قليلاً ولن يتحدث عن المسلسل بل عن بطله السيد والتر وايت، والحديث هنا سيكون نوعاً من المقارنة بين شخصصية والتر وايت وشخصية راسكولينكوف بطل رواية الجريمة والعقاب للروائي الروسي ديستوفيسكي. 
رغم اختلاف الزمان والمكان حيث وقعت أحداث الرواية في روسيا في القرن التاسع عشر وأحداث المسلسل في الجزء الآخر من الكرة الأرضية في القرن الواحد والعشرين ورغم اختلاف عمري الشخصيتين حيث راسكولنكوف كان شاباً عشرينياً والسيد وايت كان كهلاً خمسينياً، إلاّ أن هناك نوعاً من التشابه بين الشخصيتين وفي الأسلوب بين الروائي والمؤلف التلفزيوني.
بداية نقارن بين ظروف الشخصيتين أولاً كان راسكولينكوف طالباً مطروداً من الجامعة معدماً لا يملك شيئاً سوى أم فقيرة تعيش بعيداً وأخت تعمل لدى شخص طماع أراد استغلالها ولم تعمل إلاّ لحاجتها للمال، والسيد وايت كان معلماً بسيطاً لا يملك إلاّ منزله وزوجته وابنه صاحب الاحتياجات الخاصة والذي يحتاج لمدخرات مالية لإكمال دراسته، كلا الشخصيتين كان عادياً في مجتمعه لم يملك أحدهما اسماً رناناً ولا صيتاً كبيراً ولا منصباً مسؤولاً، وفي الحلقة الأولى من المسلسل نكتشف أن السيد وايت أصيب بالسرطان وليس لديه إلا ستة أشهر ليعيشها والعلاج سيكلفه كل مدخراته وسيبقى ابنه بلا مال ولا ابنته الصغيرة التي لم تولد بعد، في هذه الحالة لم يعد لديه ما يخسره لذلك قرر دخول عالم المخدرات فيجني المال ثم يموت قبل أن يكتشف، أما راسكولينكوف فقد جاء في بدايات الرواية: “أصبح الشاب لا يهتم بشؤونه ولا يريد أن يهتم بها” نظراً لحالة الفقر وقلة الحيلة التي أصابته كما أصابت صاحبه والتر وايت، كلاهما الآن ليس لديه ما يخسره أبداً.
اتخذ راسكولينكوف عائلته حجة لجريمته التي ارتكبها فقد أراد لأمه العجوز حياة كريمة وأراد لأخته الاستغناء عن الخدمة عند الناس وحتى تتزوج زواجاً كريماً وحتى يستطيع هو أيضاً إكمال دراسته والحياة حياة طبيعية، ووالتر وايت أيضاً أراد لزوجته التي ستترمل في الأربعين حياة كريمة ولابنه المعاق تسهيلات كبيرة ودراسة محترمة وكذلك لطفلته الرضيعة حتى لا تحتاج لأحد بعد موت والدها. نعم هذه الدوافع لدى هذين الشخصين الطيبين حتى الآن، أرادوا الحفاظ على عائلاتهم وتأمين الحياة الكريمة لهم وهذا ما نراه ونعيشه طوال الأحداث في الرواية وفي المسلسل.
 بعيداً عن الأعمال الطبية ومساعدة الآخرين والاهتمام بهم سنجد قاسماً مشتركاً بين الشخصيتين وهو الغرور حيث كلاً منهما يرى نفسه عبقرياً وذكياً ولم يحصل علة ما يستحقه ولم يُقدّر من المجتمع والمحيطين به كما ينبغي له، كان راسكولينكوف يرى نفسه   مخلصاً للبشرية وقائداً عظيماً كنابليون، ووالتر كان يرى نفسه عبقري الكيمياء وسيدها وسيد تحولاتها ولكن للأسف إنهما يعيشان حياة عادية جداً وفقيرة.
راسكولينكوف كتب مقالة عن الجريمة والقتل وقسّم الناس فيها إلى الشعب الذي يعيش تحت رحمة القانون وحدوده التي وضعها والقسم الآخر الذي يتجاوز هذه الحدود فيقتل الناس ويحوز على المجد مثل نابليون الذي قتل أعداداً كبيرة جداً من الناس في حروبه وفي سبيل إمبراطوريته، وتساءل صاحبنا عن من يضع هذه الحدود؟ وفي الحلقة الأخيرة من الموسم الأول نجد والتر وايت في إحدى الحفلات العائلية جالساً مع عديله هانك شريدر يشربان الكحول ويدخنان السيجار الكوبي وتساءل السيد وايت عن الحدود التي يضعها القانون ونؤطر أنفسنا فيها، فلو شرب شخص ما الكحول عام ١٩٣٠ لكان مخالفاً للقانون لكن في السنة التي تليها أصبح قانونياً بالكامل، فلماذا لا يكون الميث وصناعته قانونية كذلك؟
وفي إحدى الحلقات بعد أن أصبح وايت متمرساً في عمله قال أنه الآن لا يعمل للمال ولا للميث بل ليصنع إمبراطورية! هي إمبرايطورية هايزنبرغ التي نستطيع القول عنها أن الشخصية الشريرة القاتلة على عكس شخصية والتر وايت الطيبة والمسالمة، وكذلك نجد راسكولينكوف الذي يعذبه ضميره فيسقط مريضاً صاحب الشخصية الطيبة ثم تخرج الشخصية الأخرى التي قتلت العجوز والتي سيطر عليها الغرور فيصبح قوياً معتداّ بنفسه. أراد هايزنبرغ أن يصبح إمبراطواراً وكذلك راسكولينكوف أراد أن يخلف نابليون ويصبح هو الآخر إمبراطوراً! أراد أن يتذكر التاريخ اسمه كما أراده والتر وايت فرأينا عنوان الموسم الأخير هو: تذكر اسمي.
استغل راسكولينكوف صديقه المقرّب رازوميخين في معرفة أخبار الجريمة وما يحدث في مركز الشرطة وما يتحدث به الناس كما فعل ذلك والتر مع عديله هانك عميل وحدة مكافحة المخدرات، كلاهما كان يعرف سير قضيته وأين موطن قدمه من هذه الأحداث، وكلا الصديقين لم يشك بصديقه للحظة فأعمالهما الظاهرة لا تشي بذلك.
عندما قرر راسكولنكوف قتل العجوز المرابية ليخلص مجتمعه من هذا الشر أو هذه الحشرة كما يقول ونفّذ جريمته اضطر لارتكاب جريمة أخرى وهي قتل أختها إليزابيث التي لم يكن لها أي ذنب إلاّ أنها كان متواجدة في مكان الجريمة وكانت شاهدة على جريمته وحينها سيوضع في السجن ولن تنجح مخططاته في إنقاذ عائلته من الفقر وجعل العالم مكاناً أفضل، كذلك رأينا مستر وايت وهو يقتل كريزي ٨ حتى لا يعترف عليه فتتبخر مخططاته لإنقاذ عائلته وحمايتها.
كتب الرفيق سياف في مراجعته لرواية الجريمة والعقاب: “كل إنسان فيه راسكولينكوف” أي أن الإنسان كائن تبريري يستطيع ارتكاب جريمة ثم يبرر لنفسه بأنه لغاية أفضل ويستطيع اتخاذ ذرائع كثيرة كالعائلة ليواجه ضميره. كلا الشخصيتين عشنا معها  مرحلة ما قبل الإجرام وأثناءه وبعده، عشنا تطورات الشخصية وأسبابها وظروفها، عرفنا الجانب الطيب منها حتى بعد أن قاما بما قاما به، رأينا راسكولينكوف وهو يقترض ليطعم سيدة فقيرة ورأيناه يمد يد العون لشيخ ضرير وينقذ أطفالاً من الحريق، ورأيناه يقع تحت تعذيب ضميره ويسقط مغشياً عليه وهو يهلوس، كما رأينا والتر وايت يساعد جيسي ويعتبره كابنه ويدافع عنه ويساعد هانك ويدفع تكاليف علاجه ويعذبه الضمير أيضاً حتى وهو يرتكب جرائمه فقد اعتذر من مايك وتأسف منه وهو يتنفس أنفاسه الأخير كما رأيناه انهار وبكى عندما مات هانك.
معايشتنا لهذه الأحداث ومعرفتنا التامة بظروفهم جعلتنا نتلمس لهما الأعذار وكثيرٌ منا تمنى لهما السلامة وكأننا هما لكن الفرق هو أن ظروفنا لم تكن كظرفيهما وإلاّ ربما فعلنا ما فعلناه، وأظن أن الروائي دوستويفسكي والكاتب فينس جيليان سارا في نفس الطريق وهو وضع الإنسان وجهاً لوجه مع نفسه وأخلاقه وضميره، هل يؤيدهما أم يدينهما؟ هل يجد عذراً لما اقترفته يديهما؟ هل يرى نفسه يملك الحق في أن يقتل من يقتل ويبقي من يبقي؟
نعود لمقولة سياف ونطبقها على المسلسل فنقول: في داخل كل شخص يقبع والتر وايت.

مرحلة اللامعنى

10

كتب في 2013/07/26 عن طريق

منذ فترة وأنا أريد أن أتحدث عن هذه الفكرة في داخلي وأبوح بها، ولكني أؤخرها إلى أجل مسمى لسبب ذكره هيسه بقوله: “الكلمات لا تستطيع التعبير بشكل جيّد عن الأفكار، فهي إما أن تكون منحرفة قليلاً عن ما نريد قوله، أو تظهر بشكل ما غبية.” وأنا لا أريد أن أظهر هنا بشكل متكرر أو غبي. ولكن منذ مدة وكل شيء أصبح متساويًا في عيني، وأصبحت أعيش في تلك المرحلة التي أصفها بمرحلة “اللامعنى أو اللاقيمة أو ثم ماذا؟”
تلك الكتب التي اشتريتها منذ شهور وأسابيع بل وأعوام، وأجلتها لتلك اللحظة التي أريد معها أن أصل للمكانة التي تستحقها تلك الكتب الفكرية الفلسفية القيّمة من صفاء ذهني واستقرار روتيني. اكتشتفت منذ فترة أنها أصبحت في عيني تافهه، وأنا بعيد جداً من قرائتها، بل بدأت بمحاكمتها قبل قرائتها. أخبرني بالله عليك ما الفائدة من قراءة كتاب يتحدث عن الفساد الأخلاقي لدى الغرب، وأنت قبل قليل كنت مع مجموعة من الشباب يتحدثون عن مغامراتهم الجنسية وعن التنافس بينهم في عدد البنات الذين حصلوا عليهم خلال الأسابيع الماضية، والذين سينامون معهم خلال الأيام المقبلة؟ ما الفائدة من قراءة كتاب يتحدث عن الاستهلاكية والرأسمالية، وأنت يوم أمس كنت تسمع شكوى والدتك من أنها سمعت اثنتين انتقدتا مرأة لأنها لم تضع على العشاء إلا نوع وحيد من الحلويات؟ ما الفائدة من أن تقرأ عن البطل الذي أقام ثورة في بلده ضد تلك الحكومة الفاسدة، وأنت اليوم تصلي الجمعة ويدعى للفاسد بأن يحفظه الله لنا وعائلته؟ ما الجديد الذي ستضيفه تلك الكتب؟ ما الجديد الذي سيضيفه لك الوعي؟
عندما يفقد الناس هنا القيمة لمعنى الأشياء السامية، ويصبح المؤمنون ملحدين بشكل ما أكثر من الملحدين أنفسهم، واستهلاكيون أكثر من الرأسماليون أنفسهم، وجنسيون أكثر من تسويق هوليود للجنس، ويسقط ذلك المتسامي، ويصبح الكلام عن المتسامي العالي شيء مضحك، وتشعر أنت به مضحكًا قبل المستمع، هنا تقول ما الفائدة؟ في أي فراغ نعيش؟ وتجدك تكرر ثم ماذا؟  وتفقد الأمل حتى في تساؤل: من أين ابدأ، وماذا أفعل؟
حتى الفن لم يسلم، وهو العصا التي نتكأ عليها محاولين بكل سبل التأويل والمتعة أن يُخرج لنا من هذه الدنيا معنى، لم يسلم من هذا التشويه. مات الفنانين، وأصبحت اللوحات التافهه لها معنى، وهذا ضرب بالمعنى نفسه. ففي الوثائقي من قناة البي بي سي لأغلى عشر لوحات في العالم هذه اللوحة التي تحتوي على ثلاثة مستطيلات بألوان مختلفة الزهري، الأصفر، الأبيض. يعبر عنها أحد المهتمين بالفن بقوله إن الفنان حاول أن يبين لنا انتقال المشاعر في الإنسان وتحولها ! يا للسخرية .. ولكن لا سخرية، أنا آسف، لأنه يبدو أن العالم كله يتجه مع هذا المحلل العظيم بقلب كل شيء لا معنى له إلى خانة المعنى، وتقصى تلك القيمة الحقيقة للمعنى.
ثم تظهر لي فكرة الدين. وأقول أنه هو الحل. ولكن صورة الدين الحالية ليست كذلك. فلم أعرف أن الدين يتحول إلى بشر من لحم ودم ويجب أن يدافع عنه. ويوصف الدين بأنه ضعيف! وظهر لي أن المؤلفات الدينية لم تضف إلينا شيئًا، والتعامل مع الحسنات والثواب وفلسفة الأخلاق والبحث عن المعنى كلها لم تكن في مخيلة هذا الشعب الديني. بل تم التعامل مع الدين بشكل رأسمالي بحت، تجميع حسنات، وبيوت وعدد من النخلات في الجنة، فقط كرر وقل. لا يهم بالطبع أن تفهم، لكن قل وكرر، اقرأ القرآن كاملاً حتى تحصل بكل حرف سبعة حسنات، ثم اضرب كل حرف في القرآن بسبعة تحصل على نتيجة تساوي مليارات من الحسنات. هي بشكل ما صورة دينية لفاتورة لأحد الشركات الكبيرة. هكذا يتم التعامل مع الدين بصورته الحالية، والتي تدفع الإنسان أكثر وتقصيه من دائرة المعنى، فالمعنى لا يوجد عند الملحد ولا يوجد لدى المؤمن، فكلاهما في خانة واحدة، كلاهما لا يتعامل مع هذا العالم ويفهم معناه، ولكن كلاهما يريد هذا العدد سواء من اللذات أو من الحسنات، ولكنه عدد في النهاية.
هناك تغريدة للصديق أحمد الحقيل كتبها في التويتر وأنا أنقلها هنا، يقول:
“طيب وإذا فهمت؟! هل أنت مقتنع أن شيئًا ما سيتغير؟! أنك مرتبط بما تدرك لدرجة الانصياع لما تستنتجه؟! غالباً ستظل نفس الشخص اللعين الذي أنت عليه.”
هذا تمامًا ما قلته لنفسي وأنا أنظر لتلك الكتب المتراصة في رفوف مكتبتي: “طيب وإذا فهمت؟” ثم بعد ذلك قررت فعل أمر واحد فقط هو: الإنتظار.

قراءة قصيرة في فلم الصّيد

0

كتب في 2013/03/27 عن طريق

فلم الصيّد طرح أمر جديد، مختلف عن أغلب الأفلام التي كانت تتحدث عن نفس المشكلة. ومن شدة عمق الفلم وليس معنى ذلك أنه صعب المشاهدة أو ممل، بتاتاً، ولكن أعني بعمق أي أني أستطيع أنا كمشاهد أن أخرج بصورتي الخاصة لرسالة الفلم التي أعتقد أنهُ طرحها ، ويخرج آخر بصورة أخرى.
الفلم يقدم لك دليل واضح على ضرر الإنحدار الأخلاقي وإن كان عابر وسريع وتأثيره على المجتمع. المخرج في لقطة قصيرة، قد لا يعطيها المشاهد أي انتباه، بنى مجريات القصة عليها. التفاصيل الصغيرة هذه التي استطاع المخرج أن يمسك بأحدها، ويبني عليها قصة عظيمة لتحول حياة رجل إلى جحيم، هي التي شغلت بالي كثيراً بعد انتهائي من مشاهدة الفلم. كيف للقطة عابرة “صورة إباحية” يُريها أخ لأخته التي لم تتجاوز الخمسة سنوات أن تقلب حياة شخص آخر، شخص من خارج العائلة، ولكن من داخل هذا المجتمع إلى جحيم وعذاب وقهر.
الممثل مادز ميكلسن كان دائمًا ما يمثل أدوار الشر لملامحه المخيفة الحادة، لكن وبكل فن إستطاع توصيل الشعور بالقهر بالشخصية التي جسدها لك كمشاهد لدرجة تصل أحيانًا أن تشتم وأنت في منتصف الفلم. الدراما عادةً محزنة، تشعرك بالقهر كنوع من الحزن على القدر، لكن هنا الأمر مختلف، فالقهر هنا ليس بسبب القدر، ليس بسبب حرب، حادث، أو أمر خارج عن الإرادة، لا، بل السبب في كون الأمر متواجد في وسط هذا المجتمع ولكن بشكل خفي، لا يعرفون كيف يصلون إلى حقيقته. ثم كيف يصلون إلى الحقيقة والضحية (كما يخيل للمجتمع) طفلة لا تتجاوز الخمسة سنوات !
أضيف إلى ذلك، أن الفلم قلب المعادلة، ففي العادة أفلام التحرش الجنسي، تجعل المشاهد يقف مع العائلة ومع الضحية، هنا العكس تمامًا، أنت هنا تشاهد الضحية هو الرجل البالغ، والمتهم هي الطفلة. خيّال هذه الطفلة الذي نتج من تلك الصورة، هو أمر مخيف جداً. لا يمكن أبداً الإحساس بخطر هذا الخيّال الإنساني بسهولة، إذا كانت مثل هذه الصورة، جعلت مجتمع كامل ينقلب بهذا الشكل، فكيف بالصورة التي تعرض دائمًا سواء كانت بشكل جنسي أو بشكل عنيف كالقتل والتعذيب وغيره. ماذا لو كانت الصورة شوهدت من قبل الطفلة عن طريق موقع في الإنترنت؟ من خلال الإعلانات وغيرها؟ ماذا لو كانت هذه الصورة التي بنت عليها الفتاة الصغيرة مخيلتها شاهدتها من خلال التلفاز؟
أخيراً، تصويّر الفلم لقسوة الجماعة ضد الفرد، والكثرة تغلب الحقيقة وليست الشجاعة فقط. فكيف لمثل لوكس أن يواجه كل هؤلاء؟ كيف يقنعهم؟ ومع من يتحدث ليصل إلى نتيجة؟ في نهاية الفلم ، وعندما اجتمع الجميع لتكريم ابن لوكس، وذلك بعد سنة من مرور الحادثة، وكدليل على تجاوز الجميع لتلك المشكلة، ألقى لوكس على الجميع نظرة ليشاهد في أعينهم، أنهم ما زالوا غير مؤمنين به، إنما تجاوزوا المشكلة ولكن أثرها سيبقى للأبد. ونهاية الفلم كانت دليل على ذلك.
الفلم مختلف وجميل جداً، ويستحق المشاهدة، ويستحق أيضاً قراءة أراء المختصين في علم الإجتماع تحديداً للقضية التي يطرحها الفلم.

إنك إن دفعت لطعامك أكثر، أكلت معه عرقاً وبصاقًا أكثر.

0

كتب في 2013/01/14 عن طريق

أذكر حقيقةً حين أقول إن الطاهي الفرنسي سوف يبصق في الحساء إن لم يكن سيشربه هو. إنه فنان، لكن فنه ليس النظافة. إنه قذر إلى حد معين، لأنه فنان. ولكي يبدو الطعام ممتازاً ينبغي أن يعامل معاملةً قذرة. حين يؤتى إلى الطاهي بشريحة لحم كي يتفحصها، فإنه لا يستخدم الشوكة. يتناول الشريحة بأصابعه ويبسطها على الصحن، ثم يمرر إبهامه حول الصحن ويلعقه ليتذوق الصلصة، يمرر ثانية ويلعق من جديد، ثم يتراجع للوراء، ويتأمل قطعة اللحم، مثل ما يتأمل فنان صورةً، بعدها يضغط القطعة في موضعها بحبٍ، مستعملاً أصابعه السمينة الوردية، وكل أصبع منها لعق مئة مرة، ذلك الصباح. وعندما يرضى عن الأمر، يتناول قطعة القماش، ويمسح آثار اصبعه عن الصحن ويسلمه إلى النادل. والنادل، بالطبخ، يغمس اصبعه في الصلصة، أصابعه المقرفة المدهنة التي يفرق بها على الدوام شعره ذا البرليانتين، وعلى كل من يدفع أكثر من عشرة فرنكات، مثلاً، لصحن لحم في باريس أن يتأكد من أن صحنه نالته الأصابع على هذا النحو. في المطعم الرخيص جداً، حيث لا يتعرض الطعام لمثل هذا، بل يؤخذ من المقلاة بالشوكة ويوضع في الصحن رأسًا، بدون استعمال اليد. ويمكن القول إنك إن دفعت لطعامك أكثر، أكلت مع عرقاً وبصاقة أكثر.
القذراة شائعة في الفنادق والمطاعم، لأن الطعام الصالح يضحى به من أجل الدقة والأناقة. إن مستخدم الفنادق أكثر إنشغالاً بتجهيز الطعام من أن يتذكر أن الطعام المقصود به أن يؤكل. الوجبة، هي، ببساطة، ((طلب)) له، مثل ما أن الإنسان الذي يموت من السرطان ((حالة)) عند الطبيب. إحدى الزبائن يطلب، على سبيل المثال، خبزٌ محمص. وعلى شخص ما، أرهقه العمل، في قبو عميق تحت الأرض، أن يجهزه. كيف يستطيع هذا الشخص أن يتوقف ويفكر قائلاً لنفسه: (هذا الخبز المحمص سوف يؤكل – يجب أن أجعله صالحًا للأكل)؟ كل ما يعرفه أن هذا الخبز يجب أن يبدو جيداً، وأن يهيئ في ثلاث دقائق. قطرات العرق كبيرة تنحدر في جبهته على الخبز. لماذا يهتم؟ ثم يسقط الخبز على النشارة الوسخة بأرضية المكان. لماذا يهتم بتجهيز قطعة أخرى؟ الأسرع أن يمسح النشارة عن القطعة. في الطريق إلى الأعلى يسقط الخبز ثانيةً، والزبدة تنقلب. مساحة أخرى هي كل ما يحتاجها الأمر. وهكذا مع كل شيء. الطعام الوحيد في الفنادق س، الذي يهيئ بنظافة هو طعام الموظفين، وصاحب الفندق. والقول الشائع هو: (فتش عن صاحب الفندق)، أما عن الزبائن فهو ليس شيئًا. في كل مكان من أقسام الخدمة تعشعش القذارة – عِرقٌ سريّ للقذارة في الفندق العظيم، مثل الأمعاء في جسم الإنسان.
إلى جانب القذارة، نجد صاحب الفندق يغش الزبائن غشًا كاملاً. غالبية مواد الطعام سيئة جداً، مع أن الطهاة يعرفون كيف يتدبرونها حسب الأصول. اللحم من نوعية عادية في أفضل الأحول، وكذلك الخضروات التي لا يمكن لربة المنزل أن تنظر إليها في السوق. والقشطة تخلط بالحليب حسب الأوامر النافذة. والشاي والقهوة من نوعية متدنية، والمربى مادة مركبة تؤخذ من علب كبيرة من دون علامات تجارية. وكل الخمور الرخيصة توضع عليها علامة (خمر عادي). ثمت تعليقات تقضي بأن يدفع المستخدمون ثمن ما يخربونه، وبالنتيجة لا تكاد ترمى الأشياء المتضررة. مرة أسقط نادلاً دجاجة مشوية من الطبق الثالث، في مهوى مصعد خدمتنا، حيث سقطت في سلة بقايا الخبز ومزق الأوراق وما إلى ذلك، في القاع. مسحنا الدجاجة بقطعة قماش وأرسلناها إليه، ثانية. وفي الأعلى تدور أحاديث قذرة عن شراشف استعملت مرةً، فلم تغسل، بل نقعت فقط، وكويت، ووضعت على الأسرة ثانيةً. كان صاحب الفندق شحيحًا علينا، بقدرة شحّة على الزبائن. على امتداد الفندق الواسع كله، لا توجد، على سبيل المثال، فرشاة ومجرف، وعلى المرء تدبير أمره بمكنسة وقطعة من الورق المقوى. ومرحاض العاملين يليق بآسيا الوسطى، وليس من مكان تغسل فيه اليدان، ما عدا المغاطس المستعملة لغسل الأواني.
بالرغم من هذا كله، كان فندق س واحداً من الفنادق الأثني عشر، الأكثر غلاءً في باريس. ونزلاء يدفعون مبالغ باهضة. كان سعر المنام، ليلةً، بدون فطور، مئتي فرنك. والخمر والتبغ يباعان بضعف سعرهما في الدكاكين، مع إن صاحب الفندق يشتريهما، طبعاً، بسعر الجملة. ولو حدث أن للزبون لقبًا، أو كان مليونيراً، فإن ما يدفعه يرتفع أوتوماتيكيًا في صباح ما، وفي الطابق الرابع، أراد أحد الأمريكيين، وكان في حمية، ملحًا وماءً ساخناً فقط لفطوره. اهتاج فالنتي غضباً. وقال: (بحق المسيح! وماذا عن العشرة بالمئة العائدة لي؟ عشرة بالمئة عن الماء والملح!). وجعل سعر الفطور خمسة وعشرين فرنكاً. والزبون دفع بدون أي همهمة.
في رأيي بوريس، أن الشأن ذاته ينطبق على فنادق باريس كلها. لكني أتصور أن زبائن فنادق س كانوا أسهل على الغش، ذلك لأن معضمهم أمريكييون، ذو إنجليزية متعثرة – ليس من فرنسية – وإنهم يجهلون أي شيء عن المأكل الجيد. كانوا يحشون معدتهم بـ (الحبوب) الأمريكية، ويأكلون المربى مع الشاهي، ويشربون الفرموث بعد العشاء، ويطلبون (دجاج الملكة) بمئة فرنك ليطيبوه بالصلصة وورشستر. نزيل من بتسبرغ كان يتعشى كل ليلة، في غرفة نومه، زبيبًا، وبيضًا مخفوقًا، وكاكاو. قد لا يكون هامًا، أن يُغش هؤلاء القوم أو ألا يُغشوا.

- جورج أوريل واصفًا تجربة عمله في مطعم في أحد فنادق باريس الفخمة.

لماذا الحكيم؟ (٢)

2

كتب في 2012/10/02 عن طريق

تحدثت في التدوينة السابقة عن سبب تعلقي بالحكيم، وانتهيت بأن وصفت ما يميز الحكيم في كتاباته عن الحب تحديداً، وأنه مختلف تمامًا في هذا الجانب وأن أغلب تجاربه في الحب كانت حقيقية هو من قام بها بنفسه. وله في الحب فلسفته الخاصة التي تميزه عن غيره.
وما يجعلني أتعلق بالحكيم كثيراً هو حبه للفن بشتى أنواعه. من اطلاعه الكبير على كتب الأدب العربية والغربية، أو حبه الشديد للموسيقى الكلاسيكية، وكثرة زياراته في باريس ومصر أيضاً للمسرحيات ومشاهدتها. وكان يذكر في كتابه “سجن العمر” الذي يسجل فيه سيرته منذ أن ولد بأن سبب عدم حصوله على الدكتوراه في القانون من باريس كان اقباله الشديد على كل ما يتعلق بالفن، وخصوصاً المسرح. وكانت لدى الحكيم عقدة من الإمتحان، وفي رسائلة يذكر لأندريه ذلك مقارنًا الثقافة العامة والإطلاع بالدراسة الجامعية فيقول:

إن التحصيل في ذاته للثقافة والتكوين هو لذتي الكبرى الآن. إنما الذي يخيفني هو الإمتحان . . لقد تحقق لدي اليوم أني لا أصلح بطبعي للتقدم إلى أي إمتحان، ذلك أن الإمتحان يريد مني عكس ما أريد من القراءة. إني اقرأ لأهضم ما قرأت: أي أحلل مواد قراءاتي إلى عناصر تنساب في كياني الواعي وغير الواعي . . أما الامتحان فيريد مني أن احتفظ له بهذه المواد صلبة مفروزة ! . . إني أشعر وأنا اقرأ حتى مقرر الدكتوراه في القوانين أن مواده قد تفككت واختلطت بمواد أخرى لقراءات أخرى، لا علاقة لها بالقانون، كما تختلط في المعدة المواد الغذائية بعضها ببعض . . وإذا الناتج من هذه المواد المختلطة هو عصير ثقافي، يسري في دمي المعنوي، فأحس كأن وزني الفكري قد ازداد، وكأن قدرتي على احتمال التأمل المثمر قد نمت.

ولم أستطع وأنا اقرأ هذه الأسطر إلآ أن أضع تحتها خطوطاً وأنا مبتسم لما وجدت في كلامه ما توافقه نفسي. ويستطيع من يقرأ للحكيم أن يشاهد بأن رواياته هي خليط من حياته الشخصية على قراءات اكتسبها من ما قرأ في الأدب الفرنسي تحديداً. وأضاف الحكيم خيالات وحوارات خياليه طريفه جداً تعبر عن رؤيته المختلفة لكل شيء، مثلاً  في كتابه “عصا الحكيم” وفي النصف الثاني من الكتاب يصور الحكيم بأنه يتحدث إلى شخصيات معروفة في الكتب أو في الواقع ولكنها شبعت موتًا وكانت من هذه الشخصيات “روميو وجوليت”. ولك أن تستمتع بكيفية مشاهدة الحكيم في هذه الصفحات القليلة بأن حول هذه العلاقة بين روميو وجوليت من علاقة حبّ كما يتوقعها القارئ إلى علاقة كرهتها  جولييت حتى أنها تقول للحكيم: “لكم أتمنى الخلاص منك (تقصد روميو) متى يقولون جولييت فقط؟ دون أن يلصقوك بي .. جوليت بدون روميو .. متى ذلك؟ إنك لصقة ثقيلة أبدية !”

ويملك الحكيم كوميديا مصرية صافية جداً، تجعلك تتقلب ضحكاً كما يستطيع أن يجعلك ترى مجموعة من الناس كالفلاحين أو أصحاب طبقة معينة بشكل أقرب. خصوصاً أننا لا نجد بسهولة التصوير اللازم لشخصية الفلاح أو الفقير العربي أو صاحب الطبقة الغنية وغيرهم بشكل منصف وواقعي من أهل هذه المناطق. وللحكيم تجربة طويلة مع الفلاحين، حيث كان أبوه فلاحاً كما يذكر في “سجن العمر”. وللحكيم معرفة أيضاً بالفلاحين حيث عمل نائباً في الأرياف كما ذكر يومياته في روايته “يوميات نائب في الأرياف” ومن المضحك أنه أحد المرات كان أبوه يعمل على بناء بيت لهم في الاسكندرية وكان ما ينفك يوجه النجاريين والبنائيين على إقامة جدار وهدمه في الليل وبنائه من جديد غداً حتى أطال العمال البقاء لدى عائلة الحكيم في البيت فيقول:

انتهى الأمر بنا بكل بسطة أن صار البناءون والمبيضون مقيمين لدينا إقامة مستمر لأن العمل لا ينتهي ولا يمكن أن ينتهي. فاتخذوا لأنفسهم حجرة دائمة قرب باب الحديقة يقطنون بها . . يبيتون ويسمرون ويأتي لزيارتهم الأهل والأقرباء والأصدقاء، وكان ينزل إليهم فيها من بيتنا القهوة والشاي والغداء والعشاء بانتظام. وأصبح لهم رأي فيما يطبخ ويقدم إليهم من ألوان يومية. فيقولون: زهقنا من الملوخية والبامية . . اطبخوا لنا اليوم “كشري” وأحيانًا يقترحون: “خللوا لنا خيار وفلفل !” ويصفون الطريقة التي يحبونها للتخليل الخيار وصنع الطرشي ! والحديقة حولهم جعلوا يزرعون في جانب منها بعض الفجل والكرات والجرجير، كانوا متمتعين بهذه الحياة الهنيئة الناعمة.

وهذا هو الحكيم ببساطته وعمقه بفلسفته وجماله بسوداويته وكوميديته، وزعها على كتبه وحملتها رواياته ومسرحياته. تجد فيها هذا الرجل الجميل الفاخر المحب في باريس من يذكر لك أعمال بيتهوفن وسترافنسكي ومعزوفته “عصفور النار” وهو ذلك القارئ لأعمال تولستوي ودوستويفسكي وكوكتو الشاعر الفرنسي وجيمس جويس وكتابه Ulysses الذي وصفه بالممل والأحمق حيث يقول الحكيم بأن جيمس جويس ضرب بالبناء الروائي عرض الحائط في رسائله لأندريه. وعلى النقيض من هذا الرجل تجد الحكيم البسيط الذي يعيش في شقه صغيره مع أقاربه الفقراء المساكين تسيطر عليهم فكرة الفقر والنجاح والحب في روايته “عودة الروح” التي أعتبرها من أجمل الروايات العربية التي قرأتها. الحكيم مزيج من كل شيء، هذا الرجل حياة كاملة وزعها على كتبه الكثيرة والتي أحمد الله بأنها كثيرة ولا يمل منها. هذا هو الحكيم الذي أستطيع أن أعبر عنه بكل بساطة. وقد أكون غاليت قليلاً، ولكن حبي لهذا الرجل الذي مات قبل أن أولد بعام واحد، من خلال كتبه، جعلني أراه بشكل قد لا يراه كثيرٌ من الناس ! ولكني كما أذكر كثيراً، أنا أجد انعكاسي في كل سطر كتبه الحكيم – رحمه الله -، ولعلنا نتقابل في جناته بإذنه.

لماذا الحكيم؟

1

كتب في 2012/09/28 عن طريق

لكل قارئ كاتب مفضل، سواء كبر هذا الكاتب أو صغر، كرهه القراء أو أحبوه، ولكن تجد القارئ يفضله ويقرأ أغلب مؤلفاته ويقرأ في سيرته وعن زوجته وأولاده وما إن كان حيّ أم ميت، هل له من مقابلات وماذا كان يحب أن يأكل وكيف كان يمشي ولمن كان يطرب؟ وتجد في مكتبة هذا القارئ رف بأكمله يحمل فيه مؤلفات هذا الكاتب، لا يشاركه أحد وإن كانت الرفوف مزدحمة، ولا يعير أحداً أي كتاب لهذا المؤلف، وينصح به الجميع ويقتبس منه كثيراً، ويبحث عن صوره عندما كان صغيراً أو شابًا أو حتى وهو كهل.

لماذا كل هذا؟ لماذا بعض القراء يفعلون هذا لكتابهم المفضلين؟ الإجابة بكل بساطة: لأننا وجدنا ما في نفوسنا لديهم. قد يكون هناك أسباب أخرى نعم، ولكن لا يأتي هذا الهوس في البحث عن شخص إلا لأنك تجد نفسك في هذا الكاتب. هناك كتّاب تحترمهم وتعترف بأن كاتبك المفضل لا يستطيع أن يصطف معهم، لعظمة وجمال ما يكتبون، ولقوة الأفكار التي تحملها كتبهم. لكن الذي جعلك تحب كاتبك هذا هو وجود ما في نفسك، وكأنك تشعر أنه بجانبك يعلم كل خفاياك وما تفكر به وتحب وما تكره، تحمل نفس فلسفته في النظر إلى الحب، إلى الوطن، إلى الطفولة، إلى العلم .. إلى كل شيء.

كثير ما يرتبط اسمي لدى بعض الأصدقاء بتوفيق الحكيم. ويقولون لي ما نقرأ له حتى نذكرك، والسبب في ذلك أني ألححت عليهم بالقراءة له وقد كرهوا كثرة حديثي واقتباساتي لهذا الحكيم رحمه الله وخذلت الحكيم مرات بأني مدحدته في مواطن كثيرة، فإذا بي قد بالغت ولا أجد من هؤلاء الأصدقاء الإنبهار بما انبهرت به من كتبه. ولا عجب في ذلك لأني وجدت في الحكيم مالم يجدوه، وليس في هذا نقص منهم في فهم ما كتب الحكيم أو زيادة مني، ولكن هي تشابه الأفكار والرؤية لدى الكاتب والقارئ.

وقد تميز الحكيم بكثرة الحديث عن الحب، وكان موقفه من المرأة غير صريح، حتى أني إلى هذا اليوم لا أعرف إن كان هو نصير للمرأة أو ضدها، رغم أنه كان جريئٌ معهن، ففي روايته “عصفور من الشرق” كان هو محسن، ذلك الفتى الذي أحب الفتاة التي تبيع في شباك التذاكر لصالات السينما في باريس. وكانت مغازلته مختلفة عن الجميع فكان يقول عن نفسه في رسائله إلى أندريه الذي كان يعيش معه أثناء إقامته في باريس في كتابة “زهرة العمر” الذي هو سيرة ذاتيه لـ الحكيم :

“في لبسي لا أرتدي كما يرتدي الآخرون، ولا أدخن لأن التدخين عادة عامة، وربما دخنت لو انقطع الناس عن التدخين، لا أهدي إلى حبيبتي الأزهار الجميلة، ولا العطور اللطيفة، بل أهدي إليها ببغاء في قفص، ولا أكتب إليها مباشرة عن الحب، بل أتبع طرقاً لن يتبعها عقلاء الناس! .. “

وقد فعل الحكيم ذلك، وكان مجنوناً لدى العقلاء في تعبيره عن الحب، حتى أنه مرة قد شاهد امرأة في باريس أيضاً دخلت مقهى مع صاحبها ويحدثكم الحكيم بها في رسائله لأندريه يقول:

فتمايلت على “مسيو هاب” صائحاً: ناد الجرسون واطلب سكينا ! .. فقال دهشاً: سكيناً ! تصنع به ماذا؟ فقلت: أقتل نفسي عند أقدام هذه المرأة، حباً وجنوناً وغرامًا ! فالتفت “هاب” إلى المرأة ثم إلى صاحبها وقال لي: صدقت ولكنها كما ترى ذات رفيق وأي رفيق ! لا أمل لك يا صديقي.

لا أستطيع أن أخفي القارئ بأني أضحك إعجابًا لجرأة الحكيم وتعبيره وخياله عندما يشاهد امرأة جميلة. فإن كان هناك جنون، فليكن مثل هذا غريبًا عجيبًا لا يفعله أي أحد، لا مكرر ولا ممل كما نقرأه في الروايات والقصص. وقد كان الحكيم يصف نفسه قائلاً أنه: يحب الحب. رغم أنه لم يتزوج إلا متأخراً وله قصة زواج عجيبة جداً يمكن للقارئ أن يقرأها هنا. وكان قلب الحكيم كبيراً جداً، ومزج بين الحب والطرفة كثيراً، رغم أن القارئ له يعلم أنه بليس ذلك الرجل الجفس الذي يرى في الرجل مرتبةً أعلى من المرأة، وقد تحدث عن هذا في سطور طويلة في روايته “حمار الحكيم” وذكر كيف على المرأة المصرية أن تتحرر من فكرة “الجارية البيضاء” وأن تبدأ بأن تتصرف كسيدة مستقلة بفكرها وعملها.

ومن أجمل أعمال الحكيم المسرحية والتي تم ترجمتها إلى الفرنسية والإنجليزية والروسية وهي مسرحية “شهرزاد” تحمل فلسفة جميلة وأذكر أني اقتبست من الحكيم هذا السطر الجميل من هذه المسرحية بقوله: “لقد شبعت من الأجساد! شبعت من الأجساد، لا أريد أن أشعر، أريد أن أعرف” وأعتقد أن سر إعجابي الشديد بالحكيم هو ما يحمله من بساطة رغم اطلاعه الكبير في الأدب العربي والغربي. وبساطة أسلوبه في الكتابة رغم أن ما يتحدث به في كثير من الأحيان يحمل فلسفة عميقة جداً ترسخ في ذهن القارئ. ولا أعلم إن كانت هذه البساطة والتواضع نتجت من أن الحكيم خرج من مصر وأن كتّاب مصر يحملون هذه الصفة في كتاباتهم أو لا، ولكن ما يميز الحكيم عن غيره هو أن ما يكتبه في رواياته يعبر عنه، هو لا يستخرج شيئًا جديداً، وإن كان هناك جديد فقد فعله بنفسه. فمن يقرأ رواية الحكيم “عصفور من الشرق” ويعلم بعدها أن كثيراً من هذه الرواية هي تتحدث عنه سيعجب كل العجب ! وكل رواية أو مسرحية كتبها الحكيم هي تعبر عن حقيقة وجدها الحكيم في داخله ونشرها بأسلوبه البسيط الممتنع.

وسآتي على ذكر حبه للقراءة وحياته وكيف عبر عنها في روايته الأجمل على الإطلاق بالنسبة لي “عودة الروح”.

وأنهي هنا باقتباس للحكيم عن الحب يقول:

“لا تهزأ قط بالحب والخيال! .. هأنتذا تستطيع أن تحدثني اليوم عنهما أكثر مما أستطيع أنا .. نعم .. لقد كان يخطر لي أحيانًا أن الحب هو العمود الفقري للكون .. وأن الله كي يقيم القيامة وينهيالحياة لن يأكر “إسرافيل” بنفخ الصور -كما يقولون عندنا- بل سيأمر “الموت” ليهوي بفأسه على “الحب” وبموت الحب في الأرض ينتهي العالم ..”