البحث عن دين مفقود – سعد الله ونوس

لا تستطيع الثقافة البرجوازية مهما بلغت قوتها الاحتجاجية، أن تمضي إلى الأمام، وأعني بذلك بالمضي إلى الأمام، أن تكون “تاريخية”. تتميز قوانين وعلاقات الوضع الاجتماعي – السياسي، وتستشرف المستقبل عبر حركة التاريخ. بهذا المعنى، المضيّ إلى الأمام يعني أنها تنفي نفسها، وتتجاوز مكوناتها، وبالتالي تنقلب على ايديولوجية النظام الذي أفرزها، وهذا ما لا يتفق مع هويتها.

وثقافة غير قادرة على أن تكون “تاريخية” محكومة دائماً بأن تقوم على تناقص عسير. فهي لا تستطيع أن تتجاهل الوضع المزري الذي يتلازم مع نظام يجتاح في “الرأسمال” لا مبالياً بخير أو شر كل الوجود الإنساني، ويختزله إلى مجموعة علاقات بين سلع تنظمها الأسعار والأرباح، لكنها في الوقت نفسه تحجم، أو تعجز عن إدراك أن تقويض هذا النظام بالذات أمر لا مفر منه لتغيير الوضع المزري .. لهذا عندما تعكس ثم تحتج على مظاهر الوضع المأزوم في مجتمعها، لا يصل احتجاجها إلى وعي أيديولوجي بضرورة تجاوز نظام المجتمع وتبديله. وإنما تظل حبيسة هذا النظام، تبحث من خلاله وفي إطاره عن منافذ للخلاص ومن هنا ينبع التناقض ويصبح حتمياً أن يقضي البحث إلى حلول هروبية، أو تكريس لقيم اليأس .. وفي حالات قليلة، عندما يبلغ النتاج أقصى إيجابيته يتحول شهادة على فساد الايديولوجية السائدة.

وعندما تتفاقم الأزمة في المجتمع البرجوازي – الرأسمالي، يبرز التناقض في ثقافته بشكل أحدّ. كما تتقلُص آفاق الحلول إلى تخبطات تنبع كلها من “الفكر الفردي”، وتتراوح بين الاستسلام الرواقي للعبث، وبين الاحتماء بملجأ متهدّم لدين ضائع.

ونظرة سريعة إلى الاتجاهات الأدبية والفنية التي سادت الحياة الثقافية في أوروبا الغربية منذ بداية القرن العشرين حتى الحرب العالمية الثانية، أي في فترة أزمة الرأسمالية الطاحنة الدامية، تؤكد هذه الفكرة وتوضحها. فمنذ كيريجارد ووجوديته، مروراً بالدادائية والسريالية ورعب كافكا وغثيان وعبث كامو .. الخ. يمكننا وبما تسمح به هذه العجالة أن نتميز ثلاث ميزات رئيسية، الأولى هي أن كل هذه الاتجاهات انبثقت تحت وطأة إحساس حاد بأزمة المجتمع.  الثانية أنها تحاشت عجزاً أو عمداً تحليل هذه الأزمة، وكشفها من خلال مكوناتها السياسية، أي من خلال مقولات حركة التاريخ. الثالثة، أنها وبسبب ذلك لم تتبين إلا خلاصاً فردياً بمعزل عن الجماعة، وربما بنفيها، أو بالتعالي عليها. إلا أن الأحداث الدامية والمتلاحقة سرعات ما فضحت هشاشة هذا الخلاص وعمقه، ولهذا كانت هذه التيارات تجد نفسها دائماً في طرق مسدودة، وكانت تضمحل تحت ضغط الحركة التاريخية، كما كانت تدفع الثمن العادل لتجاهلها.

هذه المقدمة ضرورية لتحليل الملامح الرئيسية للحياة الثقافية في أوروبا الغربية وفهمها، وقد أشرت إليها في الفقرة السابقة. أعني الارتداد إلى الوراء والهامشية، وانكماش الثقافة في نشاط مأزوم يكاد يكون دورانا في حلقة مفرغة.

ونبدأ بالملمح أو الاتجاه الأول، وهو الارتداد إلى الوراء. ففي الفترة الأخيرة طغى هذا الاتجاه مثل موجة عارمة شملت الأدب والفن، وكل ما يعكس صورة الإنسان على حد تعبير مارتن إيفين، وكما لو أن الزمن قد انسد فجأة، أخذت العيون تنظر إلى الوراء، ولكن دون غضب، بل بكثير من الحنين والأمل. انبعث الماضي، وراح يتظاهر في أخيلة الفنانين، ومجلات الأزياء، وفي حناجر المغنين، وعلى خشبات المسرح. وتحول كل شيء ارتداداً.

طبعاً لم تقتصر الموجة على أوروبا الغربية فحسب، بل امتدت إلينا نحنن الذين تمزقنا آلاف المشاكل المختلفة. رجعنا معهم إذ رجعوا، وتألقت على أجسادنا أزياؤهم، وواكبت أذواقنا ما يتذوقون، وإلا كيف نثبت أننا “أبناء العصر وأننا متحضرون”؟ على كل، ما هذه سوى ملاحظة جانبية لظاهرة تستحق فيما بعد أن نتوقف عندها بشكل أوسع.

وجوهرياً يمكن أن تميز في هذه الموجة خطين بارزين. الأول هو الارتداد إلى “دينية” مفقودة، والثاني هو الارتداد الزمني إلى فترة تاريخية سابقة، وبالتحديد إلى ثلاثينيات وأربعينيات هذا القرن. وعلى صعيد الأدب والفن يمكن أن نجد ما يمثل الخط الأول في آخر أعمال فرقة “المسرح الحي “اللفينغ تياتر” وأعمال جماعة “الرعب” التي يبرز فيها أرابال، وجودوروفسكي، وتوبور، ويمثل ثاني الخطين عدد من الأفلام والمسرحيات التي فجرت الظاهرة وأبرزتها بحدة. ونحاول الآن أن نلقي بعض الأضواء على بنية هذين الخطين.

محاولة البحث عن دين مفقود ليست جديدة في الثقافة البرجوازية. بلل كانت كإيقاع منتظم لا يفتأ يتكرر بين حين وآخر متلازماً بشكل مباشر أو غير مباشر مع تفاقم الأزمة الاجتماعية. كيركجارد وهيدجر وبرجسون وكارل يسبرز وغابرييل مارسيل، إذا لم نذكر إلا الفلاسفة، كلهم حالوا، وببناءات فكرية مختلفة، هذا البحث. جربّوا أن يجدوا توازناً داخلياً من خلال روحانية فردية تتجاهل الواقع الموضوعي – صراع الطبقات. والحركة الاقتصادية. على الرغم من أن هذا الواقع هو منشأ عدم التوازن. لهذا يمكن القول، مع الإشارة إلى تفرد كل واحدة من هذه التجارب، بأن هذا البحث في محصلته لم يصل إلى أي تأثير فعّال على حياة المجتمع، اللهم إلا “دعم النظام القائم – النظام الرجعي” على حدّ تعبير لوكاتش.


ولكن ذلك لم يمنع تكرار المحاولة في صياغات أدبية وفنية متنوعة. مع فارق أنه لم يعد بالإمكان إغفال الجانب السياسي لأزمة الإنسان الغربي. فبعد اللوحة السوداء التي رسمها “بيكيت” لعالم بلا دين، حيث الإنسان محكوم بالإحباط، والحياة الخالية من المعنى، جاء مسرح “الليفنغ تياتير” ليكدّس في سلة واحدة: السرياليين وفرويد وبوذا والمسيح، ثم أضاف إليهم تحت ضغط الحرب الفيتنامية وأحداث أيار في فرنسا، ماركس. ومن هذه الأكداس جرب أن يصوغ ديناً جديدًا، قد يسترد به شخوص “بيكيت” الرازحون تحت بأسهم الأزلي بعض الأمل. وإن سألت كيف فالجواب جاهز وبسيط .. باليوغا التي تتيح للإنسان هدوء السريرة، وبالمحبة المطلقة التي يمور فيها الشبق الجسدي، وبالتعريّ الكامل وإطلاق كل الرغبات الحبيسة بلا قيد، ثم بإحراق النقود، والانغماس بعدئذ في عيد ديونيسي لا يتوقف إلا بالموت. والمحور الرئيسي في هذه التعاليم هو “اللاعنف” الذي يبلغ أقصى أبعاده في المحبة الشبقة. كما أن هناك آلية معينة تتم في ممارسة الدين الجديد الذي يتطابق في ذهن (جوليان بيك) مدير الفرقة، مع الثورة الحقيقية. فالبداية هي تدريب طويل على “اليوغا” وتأمل باطني عميق ينتقلان بالإنسان من السؤال إلى الرؤيا والكشف، ثم إلى الثورة الجنسية الكاملة التي تنظفه من شوائب العنف، وبعدها إلى ثورة العمل وإحراق النقود .. وهكذا حتى يصل إلى المرحلة البيضاء إذ يتحقق الفردوس الجديد ويلتقي الإنسان مع الله.


توليفة مشوشة، تبدأ من طقس ديني – مسرحي، وتنتهي نداءً بلا صدى لبناء فردوس فوري. ولا ينسى هؤلاء المبشرون إثارة كل المشاكل السياسية التي يكتوي بها عالم اليوم. من القنابل الأمريكية التي تحرق أطفال فيتنام، إلى التمييز العنصري، إلى حرب العصابات في أمريكا اللاتينية، ثم إلى الصراع العربي  - الإسرائيلي. ولكن في إطار هذه “التوليفة الدينية” الجديدة لا يجدون لهذه المشكلات جواباً أفضل من “أحبوا بعضكم بعضاً”. وهم يعتقدون جادّين أن الحب الشبق يمكن أن يضع نهاية لكل الصراعات. وأن هذا الحب إذا ما اقترن بالهدوء الباطني، سيقود إلى مرحلة السلام العليا، حيث كل شيء ممكن ومسموح به، وحيث الإنسان في وفاق مطلق مع الآخر والطبيعة والله.


وفي نقاش مع “جوليان بيك” دار بعد أن حضرت عدداً من التدريبات وعرض مسرحية “الفردوس الفوري” وضح وجهة نظره على النحو التالي:


“العيش في عالم اليوم مستحيل، ولا بد من تغيير شامل وجذري، ولكي يتم ذلك، يجب أن تصفو سريرة الإنسان. فكل الفساد بنشأ من الكراهية والعنف والتغيير يجب أن يبدأ بالتخلص من هذه الشحنة المتفجرة التي تختبئ في حناياه. ولكن ممّ تأتي الكراهية، وممّ يأتي العنف؟ من الكبت الجنسي. فعندما تتعرض الحياة الجنسية للقهر تتحوّل إلى كمية ديناميتيه من الحقد والعنف يصبح الإنسان معها جاهزاً للتيبس في أفكار متحزّبة أو جامدة. وحينئذ تتساقط كل المشكلات العالمية كقشور يابسة لأنها تفقد الأسباب أو الشحنات التي تفجرها. إن الصراع العربي – الإسرائيلي مثلاً لا يمكن أن يحل إلا عن هذا الطريق. ومن المؤسف أن ضحايا الأمس وهم اليهود يصبحون جلاّدي اليوم. لكني متأكد أن المشكل لا يحلها إلا أن تزول من النفوس كل امكانيات “العنف”. محاربة العنف هي البداية. والتأمل الهادئ الذي توفره العبادات البوذية هو الذي يقود إلى هذا الإدراك. بذلك فقط يجد الإنسان صفاء السريرة، ويسمو فوق الفروق. يقبلها، ويعايشها، بل ويهتف: العالم يخص الجميع وعاشت الفروق. عندئذ لن يبالي أحد بتكديس المال، ولا بالامتلاك، ولا بإذلال الآخر، وإنما بالإبداع المتواصل الذي يستمر ويستمر حتى نقطة الصفاء العليا”.


ولن أناقش هنا الآراء السياسة التي يتضمنها هذا العرض. ولكن أشير فقط إلى التفكك والسذاجة في هذه الدينية الجديدة، بالإضافة إلى أنها لا تعدو محاولة لنزع السلاح من أيدي كل المضطهدين، وتكريس الأمر الواقع في العالم الراهن. لاحظ عبارة “عاشت الفروق”. فإن نقاء السريرة سيقود إلى الزهد، وبعدها إلى احترام الفروق. وفي الظاهر تبدو الفروق عرقية، لكنها في جوهرها كما نعرف اقتصادية. وإذن على الفقراء أن يهتفوا للفروق بينهم وبين الأغنياء، وعلى الدول الفقيرة أن تحترم المسافات بينها وبين الدول الغنية. “وهذه أدهى حيل الرأسمالية لبقاء تقسيم خريطة الفقر والغنى في العالم عل ما هي عليه الآن”. كما أضيف بأن هذه الدينية لا تعدو محاولة خلاص فردية. وفي أحسن الأحوال هامشية، أي عن طريق جماعات صغيرة مثل فرقة “الليفنغ تياتر” نفسها، إذ حاولت أن تعيش دينيتها، ثم لم تلبث أن تفككت. وهي لا تؤدي إلا إلى التسكين، وتهدئة خواطر الطبقات المستغلة أو صرف اهتمامها عن القضايا الأساسية. ويتم ذلك، ولا يهم هنا حسن النية، باسم الدفاع عنها وعن الشعوب المضطهدة أيضاً.


* * *


هذه الملامح نجدها مكثفة لدى جماعة “الرعب”. وأفضل نموذج لتوضيحها هو الفيلم الذي أدهش نقاد باريس، وأخشى أن يدهش نقادنا أيضًا. فيلم “الجبل المقدس” سناريو وإخراج وديكور وملابس وموسيقى ألكسندر جودوروفسكي.
ومن المفيد قبل تحليل الفيلم أن نعرض بإيجاز بعض ملامح اتجاه “الرعب” الذي يضم الآن مجموعة من الكتّاب والفنانين أبرزهم أرابال، وجودوروفسكي، وتوبور، فالكلمة مشتقة من “بان” الإله الإغريقي الذي احترف الضحك صغيراً، ثم أصبح يرعب البشر بالهيئة التي اتخذها وجهه. وبالنسبة للكاتب المسرحي “أرابال” الذي التصق باسمه هذا الاتجاه، فإن “الرعب” ليس مدرسة، ولا حركة فنية أو أدبية، بل هو شكل من أشكال الوجود والخلق الفني. “فاهتمامات إنسان الرعب هي الفن، واللعب، والاحتفالات”. “الفنان هو الساحر أو النبي”، ومصادر خلقه هي الذاكرة والصدفة والالتباس. أم اشكل العمل الفني الذي ينبغي أن تتوفر فيه هذه الشروط: “أن يكون ضد التشويه، وغامضاً، وضد السخرية، ومليئاً بالتناقضات، وأن يحتوي على الرياضيات والمنطق، ثم أن يكثف الأشكال التقليدية لصبّها في الأشكال الجديدة والعكس”. أما جودوروفسكي فيصف ذكاء فنانالرعب أو موهبته “بأنه القادر على تأكيد فكرتين متناقضتين في الوقت نفسه، أو تأكيد عدد لا متناهٍ من الأفكار، أو عدم تأكيد أية فكرة. وإنسان الرعب ليس لديه أسلوب، ولكن لديه كل الأساليب”.


ولا أعرف إذا كانت هذه السطور القليلة تقدم أي إيضاح عما يجب هؤلاء الفنانون أن يسموه “إنسان الرعب”. والكتاب الذي أصدروه صيف عام 1973 لا يقدم إلا تنويعات أسلوبية لهذه التعريفات العامة والمتناقضة. ففي الحياة مثلاً عند انسان الرعب يتمثل في “حب الحياة والجبن والسعادة والانفراد في إطار الجماعة والتلذذ بالحرية. وقبول أفكار وأساليب في الحياة مختلفة عن أفكاره وأساليبه، والهروب من المعركة”. وهو يريد في الوقت نفسه أن يكون إنسانياً وعالميًا وتقدميًا وضد العنف وضد التفرقة العنصرية وضد الانتماء إلى وطن بالذات وضد التدين بمعناه الكنسي، فكيف يمكن أن تتوازن مثل هذه الرغبات وهذه المطامح! ربما يريد جودوروفسكي الاجابة على مثل هذا السؤال عندما يتحدث بحماسة عن الصوفية. تعلمك الصوفية أن تجد الجوهر خلف القناع، أن تجد الفراغ الكبير، إنها تعلم بطيء للموت. ينبغي أن تتعلم كيف تتخلى عن كل شيء. وإني أهيئ نفسي لذلك يومياً، فهذه هي الوسيلة الوحيدة للعيش”.


وفي فيلمه “الجبل المقدس” يجسدها هذا المعنى بكثير من الإلحاح والوضوح. ونجد أنفسنا مرة أخرى أمام مبشر جديد يقدم لنا أخلاطًا من البوذية والمسيحية والإسلام. “إن النماذج الاولى لإنسان الرعب هي بوذا ومحمد والمسيح”.


يبدأ الفيلم بمسيح مسمّر على صليب مشروع فوق التلال. يأتي مسخ مشوه ومعه جمع من الصغار فيرجمون المسيح بالحجارة. يصحو من إغمائه مذعوراً، وينزل عن صليبه، فيبتعد الصغار هاربين. لكنه يتصالح مع المسخ المشوه، وهو كما نتبين فيما بعد عفريته أو وسواس الخطيئة لديه، ثم يهبطان التلال باتجاه المدينة. هي روما المعاصرة، والحضارة الرأسمالية، وبالذات الأمريكية بكل سطحيتها وشراستها. مدينة غريبة كل ما فيها للبيع والاستهلاك. ويسيل الدم في شوارعها كسواقي المطر. جثث. عنف. تجارة. قمع. يمر عرض عسكري، الأعلام المرفوعة فيه شرائح دامية من اللحم البشري. ويمسك رجل امرأة، فيسندها على الحائط، ويواقعها وهي تضحك، بينما يلتقط زوجها صورة سياحية لهما. أما الفن فإنه لعبة مضرجة بالوحشية. جيش من الضفادع المسلحة يهاجم قلعة تحميها جيوش أخرى، وتتم المذبحة، ثم تغرق كل الضفادع في سيل داهم من الدم اللزج. إذا كان لكل حضارة الفن الذي يعبر عنها، ففي أمريكا هذا هو التعبير الفني الذي يتوافق مع نمط الحياة وقيمها فيها. والمصلوب يتابع تجواله. كل ما حوله سلع للإتجار، وفي المقدمة المسيح ذاته. وفي الكنيسة ينكره القسيس الذي يضاجع تمثالاً له، فيطرده. ووراءه تمشي المجدلية صامتة مدلهّة. كذلك يتبعه وسواسه.


بعد هذا تبدأ رحلة المسيح مع الساحر “الله”. يصعد برج السماء ويلتقي به. يطلب ذهباً فيحول الساحر فضلاته ممتزجة بالعرق الانساني إلى كتلة من الذهب. ولكن ما قيمة الذهب؟ حول الساحر يتحلق عدد من الأشخاص الذين ملكوا كل شيء على الإطلاق. الثروة والنفوذ ومختلف أشكال اللذة. لكنهم اكتشفوا بعدئذ أن هذا كله بلا قيمة ما داموا فانين. لهذا جاؤوا إلى الساحر لكي يقودهم إلى الجبل المقدس. إلى الخلود. تاجر النساء، وكل العاملات محظيات له، وعروق تنزف ذهباً في خزائنه. تاجرة السلاح التي تزرق في دماء الأطفال العنف وبذور الحروب. تاجر الفنون الذي يصهر كل شيء ويحوله سلعة. وزيرة الخزانة الذي يقترح قتل آلاف المواطنين لسد عجز مالي. المهند س الذي بلغ قمة المجد لتصميمه مساكن لها أشكال التوابيت وأحجامها ولا يتسع البيت منها إلا لجسد ممدد. مدير البوليس الذي يقود جيشاً من الخصيان، ويمزق صدور الطلبة المتظاهرين بإشارة صغيرة.


هؤلاء هم الرفاق الذي ينضم المسيح إليهم، ليذهبوا مع الساحر بحثاً عن الجبل المقدس. وتبدأ الرحلة. يجب أن يتخلصوا من كل ما يضيعهم، او يجعلهم يتيهون عن الدرب. هي عملية ترويض للتخلص من دوافع الجسد، والشهوات الدنيوية. وتدريجياً يصبحون أقرب من الطبيعة، ويجدون البساطة، ويقهرون أنفسهم. إنجيلهم يتلخص في هذه الكلمات: “المعرفة، الجرأة، الإرادة، الصمت” بعد ذلك يضيف الساحر قائلاً للمسيح الذي خلّصته الرحلة من شوائبه وبالتالي من المسخ الذي يرافقه: “إن الحب أيضاً هو أهم الحقائق”، ثم يشير إلى المجدلية التي تتبعه صابرة راضية، ويأمره باصطحابها والعودة، كي يتجه إلينا، نحن المتفرجين، فيكشف اللعبة، ويخبرنا أن ما رأيناه ليس إلا فيلماً سينمائيًا، والمهم أن نكون قد استوعبنا الموعظة.
ويشكل الفيلم باللوحات التي يقدمها في بدايته عن المدينة، وبالصور التي يرسم بها قصة كل واحد من مجموعة الرحلة، بانوراما قوية التعبير، وشديدة الحساسية عن تفسخ المجتمع الرأسمالي، وتحلل الوضع الانساني فيه. ولا يجهل جودوروفسكي، كما لا يتجاهل الدور السياسي والاقتصادي في ولادة هذه الحالة المتفسخة. والدليل إلحاحه على صور بالذات مثل: الارهاب البوليسي، والسحق الجماعي، والاستغلال الاقتصادي، والحروب، وعجلة الرأسمال التي تطحن الفرد… الخ. لكنه بدلاً من أن يضع ذلك في إطاره الايديولوجي الصحيح، نراه يلجأ إلى تحليل ديني أخلاقي يتلازم فيه انحطاط المجتمع الرأسمالي مع تقهقر الجانب الروحي في الغرب. ثم انسجامًا مع هذا التحليل يتوضح الخلاص في موعظة تضم نتفاً من البوذية والمسيحية والاسلام. التخلي عن الشهوات والطمع، الزهد في أعراض الدنيا الزائلة، العودة إلى الطبيعة ونبذ العنف، إلى أن تشف السرائر، ونصل إلى نيرفانا معاصرة يتوفر فيها الانسجام والحب والسلام.


* * *


ها نحن مرة أخرى أمام الفردوس. ولكن من يطأ العتبة أولاً: أصحاب مصانع السلاح أم قتلاهم؟ أرباب العمل أم عبيدهم؟ الدول المستغِلة أم الدول المستغَلّة؟


هنا يصبح للتقليد الشائع عندنا، إذ نرتبك أمام الباب ويدفع كل منّا الآخر كي يتقدمه في الدخول، قيمة مصيرية. فالفردوس إلا أمنية خائبة في ذهب فنان خانته بصيرته.


إن هذه العودة لاسترداد روحانية ضائعة لا تتيح خلاصاً إن لم نجعله أبعد. فهي تخفي في جوهر الأزمة عندما تردّها إلى مجرد انهيارات خلقية، متجاهلة بذلك الوضع الطبقي، والبنية الأيديولوجية للنظام. وبما أن من الخصائص الأساسية للرأسمالية لا مبالاتها بالمعايير الخلقية أو الدينية فإنها تظل الرابح الرئيسي من مثل هذه الدعوات، إذ تمّوه لها أطراف الصراع الاجتماعي من جهة، وتساعد على تشويش وعي الطبقات المسحوقة من جهة ثانية، ثم تعطي الوهم بملاذ يعين على مزيد من التكيّف والفردية. لهذا لا عجب أن يتبناها النظام. ويعطيها مساحات إعلامية واسعة. ولو استطاع لعبأها في برشامات، ووزعها في عقاقير مجانية، لا داخل مجتمعه فحسب، وإنما في الخارج أيضاً. وهنا تكمن الخطورة الأدهى. فهذه الدعوات تشجيع ذكي للمجتمعات التي ترزح تحت عبء التخلف والفكر الغيبي كي تبقى على حالتها الراهنة. فهي لا تزال تملك ما يفتقده العالم المتقدم صناعياً، أي البداءة والروحانية. وبما أن الصناعة والرفاه المادي لم يحققا للغرب السعادة، بل على العكس قاداه إلى متاهة من الانحلال والعنف والبؤس الانساني، فعلامَ إذن تحاول هذه الشعوب إحراز أسباب التقدم؟! ولماذا تتبع طريقاً أثبت الذين مشوا فيه أنه مسدود، ولا يفضي إلا إلى التعاسة! من الخير لها أن تحتفظ ببساطة حياتها، وتهجع إلى دفء روحانيتها راثيةً للغرب الذي يتخبط في تيه التكنولوجيا والمادية.


ولا شك أن هذه الدعوات الرامية إلى إبقاء خريطة التقدم والتخلّف على ما هي عليه، أثرت ولا تزال تؤثر على كثير من مثقفي العالم الثالث. وفي البلاد العربية يكفي أن نتذكر عدد المؤلفات التي وزنت ميراث المادة والروح. فأنعمت على الشرق بالروح، ورمت المادة للغرب .. ولا يزال عصفور توفيق الحكيم يزقزق مزهواً بعدالته.

* مقالة كتبها في كتابه “هوامش ثقافية” الصادر عن دار الآداب.

زفزاف القاطن في الحي الخلفي

MuhammadZafzaf

أريد أن أخذ زفزاف من يد الجزارين من الأكاديمين حين يمسكون بحكاياته ويمسخونها متحدثين عن أسلوبه أكثر من حكاياته وما كان يريد أن يوصله.  لنخرج من خلف تلك الحكايات التي كتبها عن حارات الدار البيضاء والتي لا يعرفها سواه، تيك الصور برائحتها العفنة، صور للأزقة المتسخة، والملابس المتشققة، والأحذية الرثة، والهيئات التعسة البوهيمية. تلك الشخوص التي تحفل بالجنس والشرب والحشيش، التي ما وصلت إلى هذه الحال لولا ما يشير اليه زفزاف بشكل ناعم، سببه الفساد، والغش، والمساواة الأخلاقية بين الشرطي والساقطة، وانعدام العدالة، وانعدام الفرص. ليقول في النهاية عندما سئل هل تفكر في كتابة سيرة ذاتية لك؟ قال أنا موجود في كل رواياتي. فهؤلاء كلهم زفزاف، الذي عاش جل عمره في الدار البيضاء في تلكم الحارات ولم يخرج منها. حتى أصبحت مراكش بعيدة عليه، إذ يدرك الفرق بين أخلاقيات أهل كازابلانكا ومراكش. فنحن أمام شخص شديد الحساسية تجاه من حوله، لدرجة أن يدرك الفرق بين مدينتين تشعر بأن الفرق بينهما، معه، كدولتين منفصلتين.

لا وجود لعائلة سوية عند زفزاف، إما زوجة هربت من زوجها ولا يعرف أين ابتلعتها الأرض، أو أن زوجاً فضل امرأةً أخرى على زوجته لجمالها أو مالها. ومن كان متزوجاً فله بالضرورة عشيقة، أو رجل له خليلة ويعلم أنها تنام مع غيره من الأمريكان والأوروبين وعرب النفط. فمحور تلك العوائل كلها بل وروايات زفزاف تدور حول أولئك في “الحي الخلفي” وهم يتكيفون مع وضع “محاولة النجاة” المؤقت الطويل الذي لاينتهي. فكلٌ له أمانيه بحياة كريمة، ولكن تلك الخلطة من الفساد والغش والتدليس من أعلى رتبة إلى أدناها أدت إلى تلك الحكايا، على لسان معلم مفصول والذي يقطن في “الحي الخلفي”:

سبب مشاكل الناس أنهم يتحدثون في الوقت غير المناسب، والمغاربة يقولون إن اللسان ما فيه عظم، أي أنك يمكن أن تقول ما تشاء فتخرب العائلات وتفرق الأصدقاء وتطرد الناس من العمل، وهذا اللسان المغربي الذي ليس به عظم يستطيع أن يملي قرارات يمكنها أن تلقي بنا سواء في الحي الخلفي أو في زنزانة أو في برشيد، كما كانوا يلقون بهم – أو لا يزالون في سيبريا، أو في مراكز إعادة التربية في الصين لأنهم أرادوا أن يختاروا، وأحياناً يمكن لمن يختار أن تدوسه دبابة أو يدفن حياً أو يربط بأغلال أو أن يؤتى بسياف ليقطع رأسه أمام الملأ، فينصرف الناس، بعد أن يكونوا قد شاهدوا ذلك المنظر، إلى المساجد لأداة الصلاة، هذا بطبيعة الحال، في بلدان دين الرحمة والإخاء والتعاطف والمودة والإحسان والخير والعدل ونكرات الذات والتسامح والتفاهم وإعطاء كل ذي حق حقه، وبلد عدلت فنمت (مقتولاً) يا عمر، لأن عينك لم تكن ساهرة، وعلى كل حال فالإنسان لا يمكنه أن يسهر على كل شيء، على العائلة مثلاً أو على الدولة، وعمر بن الخطاب أنهكه السهر بعد أن عدل وذهب ليستريح قليلاً فقتلوه، لكن العناية ارتضته ثم أرضته فأردته، وهذا سوف يحصل لنا جميعاً.

تلك اللغة الساخرة للمعلم وهو يحدث نفسه في مونولوج يمتد لصفحات طويلة هي لسان الحارة وهي تلوم السلطة بقالب أدبي. وأرجوا أن لا أفهم خطئًا بأن زفزاف عندما يرسم شخوص تلك الحارات بعهرها وفسادها الأخلاقي بأنه يلومهم أو يؤنبهم أو يرى ما يفعلونه فاحشةً لا يجوز القيام بها، بل إنه يراها نتيجة طبيعية يرفعها إلى السطح بدون أن يغرق في تفاصيل المشاهد الجنسية، فنحن نعلم أن معظم شخوص زفزاف من النساء ساقطات، بائعات للخمر، وبكارتهن أزيلت حتى مع علم الأم، إلا أنه لا يصور في رواياته منظراً جنسياً، فهو لا يتلذذ بوصف الجنس، ولا يدخل في تفاصيل العلاقة الحميمية، لأنه، يهتم بالنتيجة لا يهتم بالمشهد. بل إنه يصور لنا نساء تلك الحارات الساقطات بأخلاقهم الرحيمة، والأمينة، والمخلصة، كما في روايته.

روايات زفزاف تتشابه، فالموضوع واحد، والأشخاص متقاربين حد التطابق، ولا يكاد تذكر مشهداً في رواية إلا تجد شبيهاً له في أخرى. والحكايات كلها في تلك الأزقة والغرف النتنة والمطابخ الصغيرة المتقشرة والبارات الليلة التي يتشاجر بها الأمريكان والأوروبيين.  “بيضة الديك” و”تلحي الخفي” تتفوقان في الأسلوب على “محاولة عيش” و”أفواه واسعة”. ولواقعية زفزاف وقع جميل ومباشر وحميمي، فكل تلك الحارات والشخوص تترك انطباع لديك لا يمحى لما يتميز به زفزاف من حفر صورة بانورامية له ولهؤلاء جميعاً.

شذرات الساعة الثالثة صباحاً

-1-

أميركا ل ربيع جابر
tumblr_o61ie16seG1qanrqko1_500

لا يكتفي ربيع جابر بأن تعطيه عصرية يوم الجمعة ليفسد مزاجك، وذلك بعد نومة طويلة ووجبة غداء مشبعة اختتمت بكعكة مخلوطة بشيء من البوظة مع قهوة بلون وجه أوباما، فلم اقرأ منذ مدة طويلة رواية فيها ركاكة وضعف بقدر ما قرأته في العشرين صفحة الأولى من روايته “أميركا”. عادت لي الأيام الماضية بالحنين للرواية العربية كما أتصورها لدى قرائتي لشخصية محسن العاشق للنساء، الذي لا يتوقف عن مغازلتهن، في روايات توفيق الحكيم. أو لرائحة العرق الغزير الذي يغطي الفتوات في هياج خارج مقهى صغير في طرق أحد الأزقة لدى نجيب محفوظ. لكن اصرار ربيع جابر على أن يخالف الجميع (وهو أمر حسن للحداثيين) بصورة قبيحة فتبدأ تقرأ اربعة فصول بدون أن تخرج بشيء، وهذا عائد لمفهوم الرواية عند ربيع.. حيث التلذذ بوصف اسنان احد الشخصيات العابرة بأنها صفراء ويملؤها السوس وغير متساوية .. الخ، أو لفستان الشخصية الرئيسية التي وصلت تواً، بدون أن نعرف ما هو أهم من الفستان الذي حتى وصفه لا يوحي بشيء.. ولذلك أقول أن ربيع جابر مفتون بتفاصيل التفاصيل التي يقرأها في الروايات، بدون أن يلتقط أهمية الصورة الكبرى لنا كقراء.. لا يكتفي ربيع جابر بهذا الخطأ. ففي الصفحة الثامنة عشر يكتب توضيحًا جعلني اتردد ما اذا كان كاتبنا في كامل قواه العقلية. فيقول:

الخال نظر إليها وهو لا يفهم (سيلاحظ القارئ أن هذه المواقف تتكرر كثيراً في هذه الرواية. والسبب ليس اللغة: هي وخالها يتكلمان العربية، باللهجة الدارجة ذاتها الشائعة في جبل لبنان في تلك الفترة، ومع هذا تبدو اللغة عاجزة عن إيصال المعنى).

أنا مصدوم من كاتب فاز بالبوكر يكتب هذا التوضيح في رواية! ولذلك أقول أن ربيع جابر فهمه للرواية جعل روايته هذي (وهي أحد أشهر ثلاث روايات له وأعلاها تقييمًا، ولا ندري كيف سيكون الحال مع باقي رواياته) تظهر لنا بهذا الشكل الركيك. لأنه لا يؤمن بأن الرواية لديها القدرة على أن تقول ما في التوضيح بدون أن يوضح لنا ذلك. لا يفهم الرجل أننا من الممكن أن نفهم هذا الموضح من قبله عبر مواقف وحوارات شخوصه. بل افسدها علينا، محاولاً أن يكون ذكياً بفكرة أن الشخصيتان عاجزتان عن ايصال المعنى. قتل جمال الرواية، واكتفى بجمال التفاصيل الذي سيظهر رتيباً بكل تأكيد ما لم يكن هناك صورة كبيرة تدور هذا التفاصيل حولها. وهذا ما تدور حوله الرواية، امرأة يأخذ بيدها ربيع جابر ليقذفها في وسط الكثير من المشاكل والمصائب والحروب وهو يتلذذ بوصف التفاصيل التي يحبها. ثم ماذا؟ لا شيء..

-2-
ملايين تتحول إلى فواتير كشوفات طبية لموظفين جدد
تعرض مواطن سعودي يحمل كيسًا كبيراً، عليه شعار احدى البنوك المحلية إلى عملية اعتداء، حيث قام أحدهم بسحب الكيس من يده وهو يمشي على قدميه في شارع المعذر في مدينة الرياض ظهر اليوم، وركض الجاني إلى سيارة مليئة بمقيمين يشتبه بجنسياتهم من الجنسية الافريقية، حيث -وياللغرابة- قام الجاني بإلقاء الكيس عندما اكتشف انها مجرد أوراق، ليس بها أموال. وعند سؤال المجني عليه عن التعرض له قال: الحقيقة أن الجاني محترم، حيث ترك لي الفواتير حتى يكتمل اجتماعي، فبدونها لا أستطيع مقابلة شركة التأمين لأثبت أن للبنك مبالغ متبقية لهم، كما إني احترم في الجاني قدرته على السرقة في وضح النهار، وقت الظهيرة، في أكبر شوارع الرياض، وأمام مبنى البنك الفرنسي، الذي كان من الممكن أن يتم تصوير الجناية كاملة. أما بما يتعلق بذكرك لحمله سكينًا وقتلي، فنعم، أعتقد أنه من المحزن أن تموت في سبيل فواتير كشوفات طبية لموظفينك الجدد، لكن اشكر الجاني من هذا المنبر على بجاحته وكرمه في رمي الفواتير إذ لو أخذها معه، لكلفني الأمر سبعمائة حلف يمين لمديري على أن الفواتير سرقت، ولرجوت أمن البنك الفرنسي بأن يرسل لي مقطع الاعتداء، ولكن أكرر شكراً للجاني.

قصة حقيقية حصلت اليوم بتاريخ 26/1/2016

-3-

فهد خليف

fahad

مرة كنت اسمع لناقد فني عراقي في مقابلة، وكان الحديث عن الفن العربي المعاصر قال كلمة مهمة وعلقت في بالي وهي إن الفن العربي توجه إلى كل أنواع الفنون الحداثية وترك الرسم. وفعلاً، كل الفنانين اللي اشتهروا عندنا كانوا متجهين هالتوجه، فنون بعيدة عن الرسم تمامًا. وشخصياً ما كانت قريبة إلى قلبي. لكن هاللوحات للفنان الجميل جداً فهد خليف عكست كلام الناقد العراقي، وأصابت قلبي. من أول ما وقعت عيني على أول لوحة له، بحثت عن باقي أعماله وكانت شيء ساحر ساحر. رسماته عبارة عن شلالات طولية لمباني وبشر.. غير سلسلة خيول الحلم اللي رسم فيها الخيول بطريقة تأسر القلب. فهد فنان من الطراز الأول، له أسلوبه الخاص، اللي لها لمسة عربية وبنفس الوقت حداثية. مثل هالأمور صعب تخلطها جميع، وإن دل فهو يدل على إن بيننا فنان متمكن يرسم بهذا الشكل على لوحات حجمها كبير جداً، فهي مرهقة ولاحظ إنها مليئة بالتفاصيل، غير إنه غزير الإنتاج. أصحاب الخط العربي عندنا والفنانين التشكيلين، هم ما زالو الأقرب إلى التواصل السريع مع الجمهور، الأعمال الغير تشكيلية – ليس جميعها طبعاً – ما زالت بعيدة عن القلب لأنها تركز على الغرائبية والخروج عن السائد أكثر من إظهار صورة جميلة بغض النظر عن أي مدرسة فنية الفنان يتبعها. إلا إن الذكاء يكمن في إن الغريب يكون تحت وشاح الجميل وليس العكس. حضور معرض للفنان فهد خليف أصبح من الضروريات حتى نشاهد مثل هذا الجمال بحجمه الطبيعي. والله أعلم. حساب الفنان فهد خليف في انستجرام: @fahad_kholai

-5-

لا آحد ينام في الاسكندرية ل إبراهيم عبدالمجيد

tumblr_o6bdo0vuVZ1qanrqko1_r1_500

 بعد ما فاز كتاب له بجائزة زايد للكتاب، كان أول مرة يمر علي اسمه. فبحثت ووجدت أن هذا العمل هو أشهر ما كتبه إبراهيم عبدالمجيد .. واستكمالاً لمشروع الاطلاع على الروائيين العرب المعاصرين، بعد القطيعة لفترة طويلة نوعاً ما الا من نجيب، تجد أن ابراهيم هنا يرغب بأخذك للاسكندرية زمن الحرب العالمية الثانية ويعطيك هذه المدينة بعينيه هو. هي رواية للاسكندرية، وفعلاً استطاع ابراهيم أن يوصل لك نسمات الاسكندرية وخفتها ولذاذتها وطعم المشي في شوارعها وأزقتها، ورمضانها وأعيادها المسلمة والمسيحية، ومجرميها وحرميها ومقاهيها وناسها بشكل خفيف جداً على الروح، وكأن الاسكندية مدينة عبارة عن سحابة ترتفع بضع امتار عن الارض. المشكلة الوحيدة هو ان الطعم هذا ما يثبت معك، الخفة كانت مقصودة من الكاتب، لكن هناك شيء مفقود، ويصبح هالشعور بالخفة تكرار ممل من بعد المنتصف، لانها الركيزة الوحيدة اللي اعتمدها. فيجيك شعور ان فيه خواء بالرواية وما فيه مادة صلبة متماسكة تخليك تكمل الرواية الا حباً بالشعور اللي ذكرته. رواية جيدة بالعموم.

-خاتمة-

كنت سأكتب عن الغيطاني، وأخصص جزءاً لنُصيب الذي ورد ذكره في كتاب الأغاني .. وبما أن الاثنين يحتاجان إلى مساحة أكبر فلعل الله أن يعينني على الكتابة عنهما بالشكل الذي يوصل حقاً ما شعرت به من خلال دفاتر وروايات الأول، ومواقف وأبيات شعر الثاني.

ساتياجيت راي

استطاع المخرج الهندي ساتيا جيت راي، أن يسيطر على كل عواطفي لأيام بعد مشاهدتي لتحفته السينمائية “Pather Panchali”، ولقد كان السبب الرئيسي في ذلك هو أنه أعادك إلى جذور الإنسان الهندي، حيث لا تشاهد سوى صفاء متناغم بين الإنسان والطبيعة، ومرحلة الطفولة والشيخوخة. كانت ساعتين من اللقطات الساحرة المليئة باللحظات المباشرة التي تتغلغل إلى كل ما هو ساكن فيك. فاستطاع راي أن يحول كل شيء طبيعي في الفلم إلى مشهد شاعري، معطيًا أدق الحركات والتصرفات سحرها الخاص. النظرات، وطريقة المشي، والأحاديث المتبادلة، وأكل الأرز، وإطعام الحيوانات أو صرفها إلى العمل، القراءة، اشعال الضوء، اغلاق الأبواب، مساعدة الأبناء، تذوق الحلوى، المشي بين الحقول، الهمس وقول السر، مراقبة الأطفال الآخرين، دخان الزوج، وجه الجدة .. كل الحركات الطبيعية، أعاد راي صياغتها من صميم بيئته وجعل كل شيء في الفلم يتحرك ككتلة شاعرية تنفذ إلى القلب مباشرة. ولا عجب، حيث أشار راي إلى ذلك في كتابه، حيث الوصول للعالمية السينمائية لا يمر إلا عبر كل ما هو ضارب في جذور المحلّي. والعجيب أن هذا الفلم بكل ما فيه من سحر، كان فلم راي الأول. فالمخرج الذي كان يعمل كمصمم لأغلفة الصوابين، حيث كان مهووساً بالرسم والتصميم، أصبح أحد أشهر – إن لم يكن أشهرهم على الإطلاق – المخرجين في الهند، وله شهرة واسعة ومعروفة كذلك خارجها. وفلمه هذا يأتي كجزء أول لـ “ثلاثية آبو” حيث تدور القصة البسيطة، حول هذا الصبي المسمى بـ آبو من عائلة فقيره كانوا يعيشون في احدى القرى النائية، ثم ينتقلون إلى المدينة، فيموت أبوه، وينتقل هو وأمه إلى قرية عمه، ليدخل الجامعة في أحد المدن، ثم يتزوج وينجب ابنه في نهاية الجزء الثالث من الفلم. بساطة القصة، عامل أساسي في أفلام راي، حتى يستطيع العمل على اللحظات الحساسة في المشاهد، لتنتهي أجزاءه الثلاثة من كونها قصة عادية إلى قصة شديدة الرقة. من المشاهد التي لم أنسها، هو أن آبو تزوج بشكل ظريف بنت لا يعرف عنها شيئاً، ونقلها معه إلى سكنه حيث مقر عمله، وهي غرفة حقيرة وصغيرة، فدخلت العروس، وخرج آبو لاحضار بعض الأشياء، فجلست البنت جانب النافذة المفطاة بغطاء عبارة عن قطعة قماش، مخروقة من المنتصف، وجلست تبكي من الخوف ومن مصيرها، وأثناء بكاؤها، أطلت من الخرقة، فإذا بالأسفل وعلى الممر الذي تطل عليه الغرفة، أم تلعب مع ابنها الصغير الذي يحاول المشي باتزان. كان منظراً بعث بالطمأنينة والسلوى إلى قلب العروس الجميلة التي أصبحت مغرمة بزوجها الجديد وهو مغرم ٌ بها. وهكذا يعمل راي في مشاهده، باستخدام عينه النافذة إلى كل ما يعطي تعبيراً متقاطعاً بالضرورة بالجميل على رسم الأحاسيس بدون أن يختلق أي أحداث أو حركة زائدة للتعبير.
قرأت في أحد المقالات، أنه كانت الأفلام في الخمسينات في الهند عبارة عن رقص وغناء، فعندما عرض فلم راي الأول، خرج بعض الجمهور من السينما وهم يصرخون قائلين: الملاعين الملاعين كانوا يكذبون علينا! ويقصدون بذلك المخرجين الذي زيفوا السينما بالأغاني والرقص حيث أعطى راي لها بعداً جديداً وفرض أسلوباً لم يكن متعارف عليه من قبل. وعن الحديث عن الجمهور وتقبل الفلم، حضي “Pather Panchali” – حتى يومنا هذا – بقبول كبير في الساحة العالمية، حيث فاز بجائرة كان. ويذكر راي في كتابه عن أحد الناقدين الغربيين الذي شاهدوا فلمه هذا فيقول: “أعرف ناقداً غربياً ذهب لمشاهدة فلمي فتعكر مزاجه لرؤية الهنود يأكلون بأصابعهم إلى درجة اضطر معها لأن يغادر السينما حالما بدأ مشهد الغداء الثاني”.
يأخذ على عاتقه راي بأن يعالج القضايا الاجتماعية بأسلوب جمالي، ومع كل ما في هذه العبارة من ضجر، إلا أنها تبدو حقيقية جداً فيما شهدته من باقي أفلامه. إذا بعد الثلاثة ذات الطابع الشاعري الرومنسي لسرد حياة صبي طوال سنينه التي تجري. شاهدت ثلاثة أفلام، كان أحدها يعالج قضية تسلسل العادات الحديثة – كعمل المرأة – في الهند في فلمه “المدينة الكبيرة”، ونشاهد تأثر راي بالسينما الواقعية. فالشاعرية الموجودة في ثلاثية آبو قد اختفت، وحل محلها قصة زوجة من الطبقة المتوسطة تعيش مع زوجها وابنها الصغير وابنتها، يواجهون أزمة مالية ما يضطرها إلى كسر العادات الهندية بأن تخرج المرأة من البيت لتعمل وتحصل على المال. ومع واقعية الفلم الذي يتحتم أن تكون فيه المشاهد بطيئة وثقيلة – وهي مسؤولية المخرج – كما يصرح راي، وفي حال فشله فهو المسئول الوحيد عن ذلك، إلا أن الفلم وبعين راي الساحرة التي يجب أن يكون الحديث عنها أكثر من القضايا التي يعالجها هي ما تجعل كل ما يقوم به راي مقبولاً بل ومستحسناً وجذاباً. لم يخني راي في أي أفلامه تجاه عمله الفني من ناحية شكل الصورة في أي مشهد. بل كان هناك شيء أقرب إلى الكمال من الناحية الفني لدى هذا الهندي العجيب. ويبرز هذا، أو يجب أن نستخدم كلمة تتفجر الصورة لديه ابداعاً وجمالاً في فلمه “غرفة الموسيقى” الذي يتحدث عن عشق رجل كبير في السن بالموسيقى، فيتحول الفلم إلى خطيين متوازيين بين الصورة والموسيقى،  ليعيد للمخرجين الهنود جميعاً، معنى أن تصنع فلماً موسيقياً، وكيفية توظيف الموسيقى والرقص.
وأخيراً، لا تقل مقالات راي جمالاً وعذوبةً عن أفلامه، ففي كتابه “أفلامنا وأفلامهم” يأخذ القارئ إلى سلسلة من التأملات حول الأفلام التي شاهدها، والأساليب التي يفضلها، وما ينقص السينما الهندية وما يعيبها، وغيرها من مقالات هي من أجمل وأدق ما قرأت في النقد السينمائي. ولا مجال للحديث عنها هنا، واكتفي بالنصح بقرائتها للمهتم.

على قدميك في فاس القديمة

IMG_20160224_142850

يوم الجمعة صباحاً، سألت صاحبة النزل أين مكان مسجد القرويين راغباً في حضور صلاة الجمعة التي ستكون بلا شك مختلفة في فاس وخصوصاً في ذلك المسجد. أخرجت الخريطة التي سلمتني اياها، وهي خريطة لا ترى فيها شيء، سيئة الدقة يتوازي فيها خطين عريضين تقول أنهما الشارعان الرئيسيان في فاس. وقالت لي ببساطة: فقط اسلك الشارع الرئيسي هذا، واتجه إلى اليسار وستجد المسجد على يمينك. خرجت عند الحادية عشرة، خرائط قوقل طبعاً لا تعمل في المدينة القديمة في فاس حيث مسكننا. خرجت وسلكت الطريق الرئيسي وأنا منتشيًا من فكرة أني سأحضر الجمعة في فاس .. وأين؟ في المدينة القديمة. مشيت وابتسامة فرح فيها شيء من خوف لا تغادر وجهي. مشيت لعشر دقائق، وإذا بي أقف أمام جدار يفترق معه الطريق إما إلى اليمين أو اليسار .. وهذه مشكلة صاحبة النزل أنها تعتقد أن جميع الناس سيتعاملون مع المدينة القديمة كما لو كانت هي تتعامل معها .. فكل شيء سهل، ففي أول يوم وعند وصولنا، استقبلتنا خارج المدينة، ومعي حقيبة كبيرة تزن حوالي خمسة وعشرين كيلو، أجرها خلف هذه المرأة البلجيكية التي لا تتجاوز بالغالب الثانية والثالثين، وتأخذنا مرة يمنه ثم يسره، وكل دقيقة نقول ها قد وصلنا، إلا أننا نتفاجئ بأننا لم نصل .. تاهت المدينة في عقولنا ولم نعد نعرف من أين دخلنا وأي طريق سلكنا. وإذا استوينا واستقبلنا والديها، سألناها وقلنا لها: أي المطاعم لديكم قريبة؟ قالت هناك مطعم اسمه “مقهى الساعة” معروف في فاس ومراكش. وهو قريب جداً فقط اسلكوا الشارع الرئيسي وادخلوا أول زقاق عن يمينكم ستجدون المطعم على اليمين. مشينا، وكنا منهكين وقد استغرق وصولنا مدة خمس ساعات من طنجة إلى فاس بالقطار .. وكنا جائعين جداً .. سلكنا الطريق الرئيسي ولم نجد عن يميننا أي زقاق الا بعد مده، دخلنا، ولم نجد أمامنا إلا ممر يؤدي إلى شارع كبير آخر .. فتوقف طباخ يسألنا عن ما نريد فقلنا مطعم اسمه “مقهى الساعة” قال هو قريب .. ادخلو من هنا ثم ستجدونه. وفعلاً كان علينا أن نسلك طريقاً آخر ثم ندخل من زقاق ثاني حتى نصل له. أعود إلى طريق المسجد، فقد عرفت أن السيدة المحترمة تأخذ مسألة الطرق بسهولة أكثر من اللازم .. فلماذا اجد الطريق ينسد أمامي إذا كان من المفروض أن أجد المسجد عن يميني من قبل؟ اتجهت يساراً .. وكنت أحاول تذكر طريقي جيداً حتى أتمكن من العودة، فتوقفت وسألت أحد الباعة: أين مسجد القرويين؟ قال اكمل طريقك وستجده عن يمينك .. اكملت الطريق واذا بي أمام مفترق طرق مرة أخرى، فسلكت الزقاق الأكبر عن اليمين، حيث لا يمكن ان يكون المسجد إلا على زقاق كبير. واذا بالمسجد الآخاذ عن يميني. دخلت المسجد والصف الأول لم يكتمل، عرفت أني أتيت مبكراً، وروحي تحلق إيمانناً، إذ أنك لا يمكن أن تزور فاس بدون أن تشعر أن الله أصبح أقرب إليك من قبل أن تدخلها. صليت ركعتين، واسندت ظهري على أحد أعمدة المسجد .. وجلست أذكر الله وأستشعر ما أنا فيه من نعمة المكان. مرت دقائق، حتى قام كبار السن في المسجد المجتمعين في المقدمة بقراءة القرآن بصوت واحد وبقراءة أقرب إلى النشيد. وجلست استمع لهم لنصف ساعة أو تزيد، حتى اذا فرغوا، قرأ أحدهم القرآن بتلاوة لا تسمع أعذب منها. فانتهى من قرائته وجاء الخطيب .. وأذن مؤذن من خارج المسجد .. ثم آخر من خارج المسجد أيضاً .. فقلت الآن سيخطب .. وإذا بمؤذن ثالث يؤذن من داخل المسجد. ثم قام الخطيب وأسمعنا خطبةً لا تقل في وعظها ولا تزيد عن ما عند خطبائنا. وقرأ لنا في الصلاة من قصار السور. وانصرفنا جموع نخرج من المسجد وإذا بالمساكين والفقراء ينتظرون المصلين الخارجين بلباسهم المغربي ليعطوهم في هذا اليوم المبارك فتحل الرحمة والسعادة على المعطي والمعطى له.  حاولت أن اتذكر طريق العودة وعرفت أن طريق العودة لن تكون سهلة، سلكت الطريق الأول بشكل صحيح، ولكني نسيت الطريق الذي أوصلني إليه.. وأهل فاس يعرفون السائحين والغرباء من وجوههم، فأهل فاس يعرفون بعضهم البعض .. فاوقفني شاب، لا تبدو على وجهه أي علامات البراءة أو الطيبة .. ولكن ما رأيته من أهل المغرب ككل، جعلني أثق به. فقلت أني اسكن دارًا قرب دار الياسمين، فعرفها، وبدأت أمشي خلفه، وإذا به يسلك بي طرقاً ليست كالطرق التي سلكتها، وعرفت أنه أتى بي من طريق مختصر .. فجلست أمشي خلفه قرابة الخمسة عشر دقيقة. حتى إذا وصلنا، قال لي أنا أريد أن أعمل عمليات تجميل، ذلك أن وجهه يشبه من دخل في قتال مع مجرم وشق له وجهه أكثر من مرة. قلت انتظر هنا، لا أملك أي مال في جيبي سأحضر لك من داخل الدار. ودخلت وأعطيته مبلغاً يسيراً، فاستنكر وقال: أنا أتيت بك من مكان بعيد؟ قلت: اليوم جمعة وهذا يكفيك. وما زلت لا أعرف لماذا استخدمت عبارة اليوم جمعة؟ عموماً ذهب وهو شبه راضٍ. وفاس مدينة عجيبة .. اقشعر لها جلدي، وذلك حيث كنّا نمشي مع صاحبنا المرشد والذي كان اسمه رشيد، حيث طلبنا من السيدة صاحبة النزل بأن توفر لنا من يرشدنا في فاس، فيرينا أهم معالمها. وإذا بها تتصل بأستاذ الجامعة رشيد. حيث استقبلنا وأخذنا مُرحباً بروح ودودة وطيبة جداً ليرينا المدينة القديمة لفاس. أقول كنّا نمشي وإذا بنا نجد بيت كُتب عليه “للبيع”، فأثارني الفضول بعد ما علمت بأننا نسكن مع عائلة بلجيكية، وبأن عدد لا بأس به من الأجانب تملكوا بيوتاً هنا، وحولوها إلى دور تكون مصدر رزق لهم. وهذا ليس في فاس فقط بل حتى في طنجة. فقلت لرشيد: بكم هذا؟ قال لا نستطيع أن نعرف! قلت: ولماذا؟ قال ذلك أنكم لو لحظتم بأن أبواب فاس كلها ومظهرها الخارجي واحد. وقد صدق، فالبيوت،والمطاعم، والمحلات الكبيرة، جميعها إذا أُغلقت أبوابها الخارجية لا يمكن أن تعرف بأن هذا منزل من أو مطعم من أو محل من؟ فقال: ذلك أن أهل فاس عندما قاموا ببناء فاس، انتبهوا إلى أنه لا يجب أن يكون هناك تفاخر بين الجيران في شكل المنزل من الخارج، بل يكون الاختلاف يكون من الداخل. وعليه، يجب أن تتصل بصاحب النزل وتدخله لتعرف حجمه وعدد الغرف ومساحتها. اقشعر معها جلدي وأنا واقفٌ ببابٍ لا أعرف إذا كان صاحبه غنيًا أو فقيرا! والأعجب من هذا، أنه مر بنا من عند النجارين الذين زينوا فاس بنقوشهم، وبالنحاسين والخياطين، ونحن نبتعد إلى جنبات الطريق حتى تمر الحمير وهي تنقل الأقمشة والخشب والموائد وغيرها. فطرق التنقل في المدينة القديمة هي قدميك والحمير، فتوقفنا أمام مكتبة القرويين. وهي مكتبة قديمة، قِدم فاس. رفض الحارس بأن يدخلنا، لأن المكتبة تحت الصيانة، فأصر عليه رشيد بلطف، فسمح لنا بالدخول. فدخلنا وتجولنا، ورأينا الكتب القديمة في الفقه والتاريخ والحديث والأدب .. وقلت للحارس من باب الفضول هل في المكتبة من شيء لم يحقق بعد ولم ينشر، قال: نعم، حيث أن هناك كتاب في الطب ولكنه مكتوب بالشعر! ثم قال لنا عشرة أبياتٍ أو تزيد من الكتاب، ونحن فاغرين نشاهد حارس مكتبة يحفظ شعر كتبها! وهناك صفة لا بد من كل زائر لفاس أن يلحظها، وهي أن أهل فاس ما زالوا يملكون حباً جمًا وفخراً بـ إدريس الثاني الذي أسس فاس وبناها. فصاحبنا رشيد ذكر لنا عن إدريس الثاني وأنه هو من أسس فاس، والسائق الذي أقلنا إلى “إفران” هو أيضاً قال لنا متسائلاً: تعرفون من أسس فاس؟ وثالثهم أيضاً يوم الجمعة الذي صليت فيها في مسجد القرويين، صاحب مطعم جاء ليأخذنا من الدار حتى يوصلنا إلى المطعم، ونحن نسير خلفه، فقال لنا: هذه فاس، أسسها إدريس الثاني، العرب العرب .. آه كيف كنّا وكيف أصبحنا. أنقل لكم ما قاله حرفياً، كان يتحدث معي بالفصحى، وكان همّ حالة العرب يهم من يعمل في المطعم أيضاً، وهذا والله، ما جعلني أؤمن بشكل قاطع أن العرب واحد وإن اختلفوا في مذاهبم وعاداتهم وغيرها، إلا أن هذا الهمّ وهذا التساؤل يتشاركه العرب جميعهم! حتى أنه رأى طفلتين مرتا وهما تتحدثان الفرنسية، فقال: انظر حتى أننا عدنا لا نتحدث العربية! دخلنا وأكلنا الكسكسي في يوم الجمعة، إذ حاولنا مراراً وتكرارًا أن نأكله في غير هذا اليوم إلا أن المغاربة بعمومهم لا يأكلون الكسكسي إلا يوم الجمعة. حتى المطاعم لا تقدمه لك إلا في هذا اليوم. وأستغفر الله لي ولأهل المغرب.

 

 

 

 

IMG_20160223_171859

 

IMG_20160224_143418

IMG_20160224_174152

 

IMG_20160226_154543

انطباعات حول ثلاثية كوباياشي

The Human Condition 1959 – 1962

لا بد أن فلماً مجزءاً إلى ستة أجزاء بمدة تصل إلى تسع ساعات ونصف، معنوناً بـ “الحالة الإنسانية” أن يشد أي مشاهد إلى متابعته. خصوصاً إذا تبع الفلم إشادات لا تنتهي جعلته أحد الـ Masterpiece في تاريخ السينما. الفلم ملحمة طويلة ومجموعة قصص عن الحب والحرب والحنين للوطن متشابكة ومتداخلة بين شخصيات الفلم.  غير أن السمة العامة للفلم هي موضوع الفرد بالنظام System  (ودائماً ما أذكر كافكا هنا) وتأثير هذا النظام على الفرد ومدى جدوى الأخلاقيات الفاضلة وفاعليتها إذا كان يمتلكها داخل هذا النظام. فالبطل الياباني كينجي  المتمدن صاحب المبادئ الأخلاقية المتمسك بها دوماً يقف أمام سلسلة هرمية عملاقة لا يظهر حجمه أمامها سوا كشيء ضئيل جداً  وضعيف جداً غير قادر على تغيير شيء. فأيام حرب اليابان على الصين، حوّل كينجي إلى معسكر يعمل به كمشرف على صينين حكم عليهم بالأشغال الشاقة، ويحاول من خلال عمله أن تتحسن المعاملة العامة مع العمال والمحاطين بأسلاك كهربائية لا يستطيعون الفرار منها. ففي مشهد ساحر في بداية الفلم، يرينا كوباياشي الاختلاف الجذري بين كينجي والعسكر العاملين معه. فعندما هاج بعض الصينين لسوء المعاملة، وطلب كينجي تحسين معاملتهم بأن يتم وعدهم بإفراج سراحهم “فهذا مطلب كل سجين”. ضحك العسكري منه “يبدو أنك شاعر، قل لي ماذا يريد أي إنسان يعيش بداخل كهف؟” فأجاب كينجي: “الحرية”. فرد العسكري: “بل النساء. الرجال يرغبون بالنساء والنساء يرغبن بالرجال”. فإذا بمنظر النساء وهن يقتربن متمايلات بأجسادهن وأصوات ضحكاتهن تسبقهن إلى المخيم الذي حبس فيه العمال قد أثار شهوتهم وجعل ثورة العمال وغضبهم تضيع داخل أجساد النساء، مما جعل العسكري يضحك ساخراً على “الشاعر”.
تجدر الملاحظة، بأن الفلم لا يلقي بالاً بشكل كبير على علاقة السجين والسجان، بل علاقة السجان ونظامه. كان كينجي بطلنا كرمز للفضيلة، داخل نظام عسكري هرمي لا يفهم معنى أي شيء سوا تلقي الأوامر والانتهاء من المشروع المخطط له. فعلى مسار مشاهدتك للفلم، ترى بطء التغير الذي أحدثه هذا النظام بداخل الفضيلة المجسدة في كينجي، هذا التغير هو الذي جعل كوباياشي يحتاج إلى ساعاته التسع وتزيد تلك لجعلنا نرى هذا التغيّر  ببطء وبشكل واضح. قال كينجي للصينين الذين اتهموه بأنه ياباني وسيظل الشيطان الياباني الذي سيخون عهوده دائماً: “ليس خطأي أني يابانياً، ولكنها أسوء جريمة بأني كذلك”

هناك نبرة حادة في نقد الذات اليابانية في الفلم، فكينجي في حالة مسائلة دائماً عن ما هو الوطن؟ ومالذي يجعلنا نقوم بكل هذا؟ خصوصاً بعد تحوله من مشرف على العمال إلى عسكري في جزئيه الثاني والثالث، وسنعرف تماماً أن هذه اللغة التهكمية والسخرية من الحرب التي كان المخرج كوباياشي يرفضها ويرفض معها السلطة بشكل عام، جاءت بعد أن أرسل هو في شبابه إلى الجيش الياباني “الامبريالي” للمشاركة في احدى المقاطعات وكان قد كره الطريقة العنيفة في تلقي الأوامر وذلك بقوله: “كانت لدي قناعة تامة بأن علي أن أرفض ضغط السلطة الذي يثقل على كاهلنا، كنت ضد القوة الموجهة إلينا، وكنت ضد الحرب ذاتها.”

يجب أن أشير إلى أن هناك لمحة رومنسية دائمة في كل ملحمة، فلا فضيلة أو قيمة عليا بلا رومنسية، فإضافة على ما سبق، ظل كينجي، مخلصاً لذاته وقيمه، متميز بقوته وصبره على مثل هذا النظام والمحاولة الشديدة في فرض أخلاقه الإنسانية التي كان يتمنى أن يرى نتاجها، حيث لم يقم بذلك كله إلا بعد أن وضع نصب عينيه أمل اللقاء بزوجته التي انقطع عنها، وظللنا نشاهده لست ساعات كانت له عدة فصول وأِشهر طوال  كاد معها أن يموت عدة مرات بطرق مختلفة، يمشي سابقاً الجميع وهو لا يرى سوا العودة إليها. حتى أن أجساد  النساء التي كانت تعرك وتلتصق بحرارة بأجساد العساكر باحثين في أجسادهن عن الوطن – كما عبر عن ذلك كوباياشي في لقطة بديعة – قد أعرض عنها هو. وظل يمشي حتى مات .. وبهذا عبر كوباياشي بقوله: تلقيت عدة رسائل تطلب مني أن يظل كينجي حياً، ولكني أمتّه لكي يبقى.

لعل حديثي عن الفلم، يعطي انطباعاً بأن الفلم يحمل نوع من الثقل الذي نراه عند تاركوفسكي أو بيرجمان وغيرهم .. خصوصًا ما إذا كان الموضوع يطرح قضية إنسانية بحته. إلا أنه على العكس، وهذا ما يميز السينما اليابانية عن غيرها، وهي قيمة القصة وتعقيد تركيبتها ومغزاها، مع سهولة المشهد وجاذبيته لأي مشاهد دون الدخول في تكنيكات غريبة لا يعرفها إلا المختص أو الناقد السينمائي في شكل سريالي أو مغزى صعب الوصول إليه ويحتاج إلى الكثير من التأويل لصعوبة التكنيك المستخدم. فالمشاهد وصورها ساحره مناسبة للمعاناة، خصوصاً في جزئيه الثاني والثالث، فالضياع داخل الغابة ثم السير بين الحقول الواسعة والسماء المتقلبة بالليل والنهار ثم مشاهد الغابة وتوهان الجنود بداخلها، إلى مشاهد القتال جميعها كانت صور واقعية وشاعرية مناسبة لهذه المعاناة الطويلة.

Throne of Blood 1957

بعد مشاهدتي لفلم هيتشكوك، كان اعتراض أحد الأصدقاء على عدم إعجابي بالفلم، هو كيف وظّف هيتشكوك حالة الهوس بشكل متقن. إلا أني لم أشاهد الاتقان بالهوس مثل ما شاهدته في فلم كوروساوا هذا. الهوس بالفكرة، لدرجة قتلت الفكرة صاحبها. لا شك أن القصة المقتبسة من “ماكبث” شكسبير رائعة ومغزاها جميل، إلا أن التوظيف لها بهذه الصبغة اليابانية كان شيء يفوق أي عمل فني. أؤمن أن مجالات الانبهار في هذا الفلم كثيرة وعديدة. فأولاً، الباس القصة هذا الزي الياباني حتى أخذ كوروساوا الجوهر من المسرحية وأعطاها شكل ياباني تام وساحر. فرغم عالمية النموذج المسرحي لدى شكسبير، إلا أني لا استطيع الا الوقوف بجانب كوروساوا هنا مفضلاً إياه على عالمية شكسبير. فالفضل للأول أكبر من الثاني. ثانياً، بناءً على النقطة الأولى، طريقة اخراج مثل هذه القصة بكل هذا الاتقان وبكل هذا الفن، رغم صعوبة تخيل أن مسرحية ماكبث يمكن أن تحوّل إلى فلم بهذه الجاذبية. ثالثاً، التفاصيل الصغيرة وإعطاءها حقها بشكل تجعل المشاهد الساهي عن أي حديث قد يفقد مغزى أو صورة من عشرات الصور والمعاني داخل هذا الفلم الكثيف في كل مشاهده، بدون أن تشعر أن هناك ثانية واحدة زائدة ولا فائدة منها. فمثلاً نذكر أن بداية الفلم، وبعد أن ضاع القائدان في الغابة والتقى بذلك الشبح الذي تنبأ لهم بحكم القصر للأول، والثاني سيحكم ابنه بعد الأول، قد ارعبتهما، وحاولا تناسي حديث الشبح (الخيال). فاستراحا أمام القصر بعد أن وجدا طريقهما، عندها قال أحدهم للثاني، وهنا أهمية اعطاء كل مشهد حقه من الانتباه، كل ما أتمناه الآن هو نومه هادئة وعميقة. هذه الجملة تحديداً كانت مؤثرة جداً لأن الفكرة التي راودتهم قبل قليل لم تكن قد استقرت بالقلب، فما كان يتمناه أحدهما أو كلاهما وهو النوم العميق، تحول إلى الرغبة والتمني بالحكم الذي لم يكن ليخطر على قلب القائدين.
المشهد الأخير، مشهد الهوس والفكرة التي جاءت لقتل صاحبها، والسهام التي أحاطت بالبطل، كانت احدى اجمل نهايات أفلام السينما على الاطلاق. الجزع، والهلع، والخوف من الخيال عندما كانت الأشجار ستقتله مع السهام التي اخترقت جسده كما اخترقت فكرة الحكم عقله قد قضت عليه منذ البداية.

فلاسفة فشلوا في الحبّ: لوي ألتوسير

IMG-20150829-WA0020

ترجمة: يسار.

كان لوي ألتوسير بتولاً في الثلاثين من عمره عندما قابل ذاتَ الثامنة والثلاثين هيليـن ريتمان. عرّفته هذه المرأة الأكبر سنًا على عوالم جنسية جديدة وجريئة، وهو ربما ما لم يكن مستعدًا له. بعد الـمرة الأولى، عانى ألتوسير من تشوّشٍ ذهني أدى به إلى كآبةٍ عميقة، تطَلبَ الأمرُ علاجًا بالصدمات وإدخاله المشفى. وبالرغم من هذه النُـذر السيئة، سلّم ألتوسير بالجنس كجانبٍ من حياته وتزوج هيليـن.

الحقُ أن هيليـن ربما كانت علّمت عشيقها أكثر مما يجب إلى حدّ أنه قد بدأ يخونها مع أخريات. تخلّلت زواجهما الشجارات العنيفة، وتهديدات هيليـن بقتل نفسها، كما أن افتقادهما لأصدقاء مقربين فاقمَ من مصائبهما. لا شيء من هذا كان عونًا لحالة ألتوسير الذهنية، مما استلزم عدة تنويمات متكررة في المشفى وعلاجًا نفس – تحليلي مكثّـف.

خلال كل همومه هذه، ظلَ ألتوسير وبشكلٍ مدهش قادرًا على مواصلة إعطاء دروسه، محاضِرًا على مدى أكثر من ثلاثين عامًا في مدرسة الأساتذة العليا في باريس، ومؤثِـرًا بفلسفته الـماركسية الراديكالية في جيلٍ كامل من المفكرين الفرنسييـن.

في العام ١٩٨٠، انهارت حياة لوي ألتوسير فجأة. حيـنَ في الساعات الأولى من صباح يوم أحـد هادئ ‘وعن غير قصد’ قتـلَ زوجته. يكتبُ بوضوحٍ مُربك:

‘راكعًا بجانبها ومائلًا فوق جسدها إلى الجانب الآخر، كنتُ أدلّك عنقها. كنتُ قد اعتدت في كثيرٍ من الأحيان تدليك مؤخر عنقها وظهرها في صمت. لكن في هذه الـمرة كنتُ أدلّك عنقها من الأمام.

سَكَنَ وجهها هادئًا، وعيناها المفتوحتيـن شَخصتا إلى السقف. فجأةً شلّني الهلع. لحظتُ طرفَ لسانها ظاهرًا بغرابةٍ ودونَ حركة من بين أسنانها وشفتيها، وعيناها تحدقان بلا نهاية.

كنتُ بالطبعِ قد رأيتُ أجسادًا ميتة من قبل، لكني لم أنظـر أبدًا في حياتي إلى وجهِ مخنوق.

عرفتُ أنها خُنقَت. لكن كيف؟ نهضتُ وصحت: خنقتُ هيليـن!’

ادّعى ألتوسير أنه كان يعاني من حالةٍ حادّة من التشوّش الذهني الناجم عن سنواتٍ من الاكتئاب الهوسي، وحُكم عليه تبعًا لذلك بكونه ‘غيـر مؤهل’ أن يمثُل لمحاكمة. قضى قرابة ثلاثِ سنوات في مشفى نفسيّ قبل أن يُخلى سبيله في العام ١٩٨٢. وهكذا عاش بقية حياته، مترددًا بين المشافي حتى وفاته بعد ثمانية أعوامٍ من ذلك. بطريقةٍ ما، كان قد وجدَ ما يكفي من الوقت وسلامة العقل ليتمّ سيرته الذاتية ‘الـمستقبل يدومُ إلى الأبد’.

كتبَ ألتوسير ‘أنا أيضًا خبرتُ كما أعتقدُ ما يعنيه أن تحب. أن تكون مُراعيًا في علاقتك مع الآخرين، أن تحترم رغباتهم ومزاجاتهم، من غيرِ إلحاح سوى أن تتعلم كيف تقبل كل هبّةٍ باندهاش، وأن تكون قادرًا وبتواضعٍ غير مُدّعٍ ودون أدنى إكراه أن تعطي وأن تمنحَ الدهشة لإنسانٍ آخر’.

زوجته بلا شك ستكون مندهشةً حين تستيقظ لتجدَ نفسها وقد قُتلت خنقًا.. وبيدي زوجها، دونَ سواه!

موت الناقد

Ronan_MacDonald_Web_Size

“النقاد هم خصيان وسط الحريم، إنهم يعرفون كيف تجري العملية، وهم يشهدون ممارستها كل يوم، لكنهم لا يستطيعون أن يفعلوها بأنفسهم” – برندان بيهان

لا تأتي كلمة ناقد إلا وتقفز في أذهاننا صورة لرجل مستفز، له مكانته في المجتمع، يعتقد أنه أفضل في فهم ما يمكن أن نقرأه أو نشاهده. وخصوصاً مع ما نشعر به تجاه كتاباته التي تكون إما معقدة لا تفهم بسبب اختصاصه، أو نشعر أنها متحذلقة لأنها فعلاً تتجاوز حكمنا على أي عمل أدبي أو جمالي. إن هذا الناقد الذي يحدد ذائقة الجمهور وقيمة الحكم لديهم ويجعل آرائهم على المحك، قد مات. هذا ما أعلنه رونان ماكدونالد في كتابه: موت الناقد.

لقد ظهرت جيوش المدونات والمواقع ومراجعات الكتب في متاجر الكتب، وأصبح الجميع نقاداً. فلا يمكن أن يكون رأي أحدهم أهم من رأي الآخر. فلا يوجد أهم من الحكم الذاتي للشخص تجاه أي عمل أدبي أو فني. وفقدت معها هرميات النقاد السابقة مكانتها، وأتت “الدمقرطة” حتى على أشكال النقد. “مات المؤلف” كما أعلن بارت وظهر القارئ.

قام رونان في كتابه هذا على إيضاح صورة مفقودة وغائبة عن أعيننا، وهي النتيجة التي أتت على موت الناقد. ولقد بدأ ذلك من خلال النقطة الجوهرية في نظري وهي اختباء الجمال الذي كان الناقد يشير إليه، حتى نراه بوضوح. فلقد بدأ رونان كتابه بالنقطة الجوهرية التي أتت وقضت على الناقد في الصميم. وهي مفهوم القيمة الجمالية. حيث أخذ يرد على أسئلة تبدو أنها أثارته من خلال كتاب جون كيري “ما نفع الفنون؟” فالأخير، يؤمن بأنه لا يوجد حكم ذاتي تجاه العمل الفني أكثر أو أعلى من غيره. ففي ففهم كيري، أن القيم الجمالية لا توجد إلا في عقول الناس، حيث لا يمكن معرفتها من خلال الأبدي أو الديني، وهي تجربة ذاتية بحته. فلا يمكن أن نقول أن خبرتنا في بيتهوفن أفضل من فرقة ذا بيتلز لأن الفن أمر يدور في عقل المتلقي. إلا أن موقف كيري في زعم نونان قائم على تعارض زائف:

فهو يجادل أنه ما دامت القيم “التي تكتسب قيمتها من داخلها” لا يمكن أن توجد دون مصادقة ذات طابع تقديسي فإن القيم جميعها، كما يقول، تعتمد في النهاية على ما أفضل أنا شخصياً أو ما تفضله أنت. ومع هذا، فها نحن نعود ثانية إلى قانون الثالث المرفوع، وكأن الخيار الوحيد هو المفاضلة بين القيم المطلقة أو القيم الشخصية. ليس هناك مكان في تحليل جون كيري للقوة التأسيسية الفاعلة التي تمتلكها الثقافة. إن المواقف الاجتماعية والثقافية والأيدلوجيات، التي نحن جميعاً غارقون ومستغرقون فيها بالضرورة، هي بالنسبة له مجرد طلاء أو طبقة رقيقة خارجية يمكن أن نضعها أو نستغني عنها حسب رغبتنا.
لكن الثقافة، وما حدث في سابق الزمان، والتاريخ، والموروث والتقاليد، والأحكام المشتركة المتفق عليها بين الأفراد عبر العصور، تؤثر جميعاً على عناصر الحكم الجمالي، وبصورة حاسمة كذلك على معاييرنا الخاصة بعملية التقويم. إن ذائقتنا الفردية لا تعمل في الفراغ. كما أن الحضارة لا تشبه مطعماً ندخله فنتصفح قائمة الطعام فيه كما نشاء، فقد ولدنا ضمن تلك الحضارة وقامت هي بتشكيلنا. فإذا لم تكن القيم من عند الله، فهذا لا يعني على الفور أنها ذات طابع شخصي. يعيش الناس حيواتهم في مجتمعات هي تتشكل نفسها من عائلات، وطبقات، ومجموعات، وجماعات. وهذا الخبرات الجماعية تؤثر بعمق في الأذواق، والأحكام، والتفضيلات، والإفتراضات، والقيم الخاصة بالأفراد.

لا يكتفي رونان بذلك بل ويضرب مثال على ذلك بقوله:

بالنسبة لكيري فإن الفاعلية الوحيدة هي القناعة الذاتية. وهذا ما يسمح بالقول إن الهجوم على مركز التجارة العالمي قد يكون، في الحقيقة، عملاً فنياً بالنسبة للمؤلف الموسيقي كارلهاينز ستوكهاوزن (كما وصف هذا المؤلف الموسيقي الحدث بالفعل) رغم أنه وجده في الوقت نفسه عملاً بغيضاً.

هكذا يرد رونان على فكرة القيمة الغير مشتركة لدي كيري. حيث يدافع رونان أيضاً في ذات الوقت عن “القيمة الأخلاقية” وذلك لتلاقي القيمتين في بعض النقاط، حيث يستفسر بـ مالذي يجعل القيمة الأخلاقية لمن قاموا بعمليات ضرب البرجين غير مشروعة أو غير صحيحة “بما أن الوسيلة الوحيدة التي يمكن توظيفها في مجال أحكام القيمة هي الفكرة السائلة عديمة القوام الخاصة بالرأي الشخصية؟” ونلاحظ استخدام مصطلح “السائلة” الذي نجده عند عالم الاجتماع البولندي زيجمونت بومان، حيث يوجه مشروعه كاملاً تجاه القيم والأفكار السائلة في الحداثة.

يأتي رونان بعد ذلك بصورة بانورامية لتاريخ النقد مبتدأً بـ أرسطو وأفلاطون، وماراً بالمشاريع النقدية في العقود القورسطية المسيحية، ثم عصر النهضة، ثم مع القرن الثامن عشر، ثم الرومنسيين الذي يزعم أن حركتهم ولدت مع نظرية الجمال الألمانية، حتى وصل إلى القرن التاسع عشر. ومع كل حركة كان هناك مفهوم للجمال، اتفقت عليه العصور أنها متسامية، فمن كون الجمال محاكاة لأشكال الطبيعة، إلى شكله الديني والمقدس، إلى المتسامي والمتعالي، وحتى وصل إلى أن زعم أحد النقاد في نهاية القرن التاسع عشر أنه يحل محل الدين في تهذيبه للنفس ولكونه “يحقق غايات اجتماعية وأخلاقية” بدلاً من “الخيال الديني” الذي كان ينسحب ببطء.

على مدى هذه الأزمان كان هناك الناقد الموجه للذائقة لا بالطريقة الوعظية، وإنما بطريقة الكاشف عن الأشكال الجمالية. حتى دخل النقد الجامعة الأكاديمية، وكانت نقطة تحول في تاريخ النقد. إذ لا يمكن التعاطي مع النقد بالشكل التجريبي، وأصبح هناك نوع من المطابقة العلمية على النقد. إذ أن الأعمال الأدبية تحمل قيمتها في ذاتها، ولا يمكن بأي حال من الأحوال فحص هذه القيمة بالشكل العلمي أو إيجاد معايير لها وطرق لتأملها. وهذا سببه أن النقاد الأكاديميين لم تكن لديهم القدرة على برهنة ما إذا كان عملاً أدبياً ما فاشلاً أو ناجحاً. مقارنة بأقرانهم من “العلوم الانسانية” التي كانت تملك مساحة أكبر في البرهنة العلمية.

في نفس تلك الفترة، ظهرت مراجعات الكتب والمجلات التي احتوت على مراجعات ذات لغة صحفية رطنة ومرنة، بدلاً من الجمود الأكاديمي – الذي واجه معارك من نفس حقله أيضاً داخل الجامعة – وكان لها أي نقاد الصحافة جمهورها الواسع، حيث كانت لمثل هذه الكتابات النقدية أهميتها. ومن هؤلاء: هارلود هوبسون، فليب توبيني و كينث تينان. حيث كان لأمثال هؤلاء جمهور واسع وكبير. ويذكر رونان أيضاً، أن الكاتب إدموند ويلسون كتب كتابه الشهير “قلعة إكسل” (مترجم إلى العربية) من دون أن يعمل في أي جامعة. لم يكن النقد حصراً فقط بين الاكاديميين والصحفيين، بل حتى الشعراء والمسرحيين والروائيين بدأوا في كتابة النقد من أمثال: ت.س. إليوت، فرجينيا وولف، د.هـ لورنس، وهنري جيمس حيث كان الأخير يكتب مقدمة رواياته بنفسه.

متى فقدت الأعمال الأدبية سحرها؟ كان الناقد ورجل الدين نورثروب فراي هو من مهد في قتل روح وجمالية هذه الأعمال. فكما أن هيوغو في البؤساء قد أشار إلى ذلك الفلاح الصغير الذي كان سبباً في معركة واترلو عندما أشار إلى الطريق. فإن هذا الناقد هو الذي أشار للبنيويين الطريق إلى أن يقتلوا كل روح في الأدب. لقد عمل فراي على أن يخلص النصوص الأدبية من قيمتها من خلال تصنيفها. فتلك “كوميدية”، وأخرى “درامية” وهذه “خيالية” كما لو كان يعدد فصول السنة: شتاء، وصيف، وربيع، وخريف. مثل النقاد الجدد، رفض فراي النظر إلى الخلف، وإلى زمن النص وطبيعة مكان الذي خرج منه وطبيعته وأخلاقياته. فقد كان يركز على النص وحده، دون الأخذ بأي اعتبار.

ظهرت البنيوية، حيث تعاطى أصحابها مع النصوص بشكل كمن يتفحص دجاجة سيأكلها على العشاء. الشكل هو المهم، بنية النص، والسرد، والأسلوب، وتراكيب الجمل. لا أهمية للمضمون أو المعنى.

لم يعد الأدب شيئاً خاصاً، كما أنه جرد من هالته وسحره وغموضه، فخلف الحقائق الأبدية المفترضة أو الحكمة البنيوية لشكسبير كانت هناك بنية لم يجر تكييفها وملائمتها، وهي البنية الفقيرة العارية المتشعبة نفسها التي يمكننا العثور عليها في المسلسلات التجارية أو روايات الاثارة.

هذا يذكرني جيداً بالفيلسوف سلافوي جيجك أحد أبناء لاكان، الذي كان الأخير مع موجة بارت، وفوكو، ودريدا .. الخ. دائماً ما يستطيع هذا السلوفيني أن يقول شيئاً تجاه أي شيء، وإن كان لكلامه فذلكه وخدع لذيذة إلا أنها سرعان ما تزول مع انتهاء اللقاء. إنه يتعاطى مع كل شيء بنفس المنطق. ولا يفتأ الذي يجري المقابلة أن يتنقل بين موضوعات متفاوته من الدين إلى الأفلام إلى المسلسلات حتى العلامات التجارية ولعبة كرة القدم. وهذا نفسه ما جعل “الدراسات الثقافية” تبزغ وتحل محل التخصص الأدبي.

وهكذا وكما هدمت الدراسات الثقافية الحدود بين الثقافتين “الرفيعة” و “الشعبية”، بين العمل الفني رفيع المستوى والعمل الفني الشعبي الذي يهدف إلى مجرد التسلية، أسقطت أيضاً التمييز بين الثقافة كخلق وإبداع من أي نوع والسلوك اليومي للناس في المجتمع. بمعنى أخر، فقط أصبح المعنى الابداعي الخلاق للثقافة جزءاً من المعنى الأنثروبولوجي. إن كتابة قصيدة، أو الذهاب إلى السينما، أو تنظيف أسنانا، هي جميعاً أجزاء من الطرق المقعدة التي يتولد من خلالها المعنى، وهي خاضعة كذلك لفحص المتخصصين في الدراسات الثقافية الماهرين في رسم الحدود الخاص بـ “الخطابات متواصلة الحضور والتي تغذي الممارسة الإجتماعية”.

ولعل هذا يكفي لأن يكوّن صورة عن فكرة الكتاب البديع والغني جداً رغم صغر حجمه لرونان ماكدونالد.

823

3:42 صباحاً

VICTOR HUGO A HAUTEVILLE HOUSE

كانت تأمليّة زوسكيند بعد قصصه الثلاثة التي أدرجها جميعاً في كتاب صغير: هي أن قراءة الكتب التي كان قد نسي أغلبها، ولا يتذكر منها شيء هي أنها تصب في منطقة ما بداخله يعرف أنه تزوده بشيء ذيجدوى. قالها قبل زوسكيند الذي قتل في قصته الأولى الفتاة الفنانة بسبب أن ناقداً ما قال لها أن لوحاتها أو كتاباتها – نسيت – كانت جميلة بحق لكنها تفتقد إلى العمق! بحثت الفتاة عن العمق الذي يقول عليه هذا الناقد والأستاذ الجامعي، ولكنها لم تجده فانتحرت. وعلق الأستاذ أخيراً بتصريح تافه، يدل على أن فكرة العمق لم تكن سوا كلام فارغ. وللربط، كان سدهارتا عند هيسه قد لامس هذا الشيء الذي وجده زوسكيند في نفسه، أو فلنقل شيء مشابه له، ولنسمه بما سماه هيسه: الحكمة. فلم يستطع سدهارتا النطق بها، بل يقول أن من ينطق بها ستصبح تافهه غبية جداً. فالشيء العجيب هذا الذي يدعي الجميع أنهم يملكونه بداخلهم لأنهم مروا بتجارب شخصية كافية كما عند سدهارتا، أو لأنهم قرأوا وعكفوا على مجلدات كما فعل زوسكيند نفسه لا يصبح ذي قيمة إلا إذا كنت محتفظاً به في بطنك. ولكن وّجدت القصة والرواية  لتقول لنا هذا الذي بداخلنا بشكل ملتف، أي ليس على طريقة سدهارتا بشكل مباشر لأنها فعلاً غبية. لكن بشكل غير مباشر. أي سأضع لك من خيالي شخصيات وأحداث .. الخ من أساسيات القصة أو الرواية حتى تستيغ ما بداخلي. لكن حدث مرة أو مرتين وأني لم استسغ ما في بطن هيوغو. فهذا الرجل صار من عداد الروائيين أصحاب الصنعة التي تستهلكها مرة ولا تستسيغها مرة أخرى. لا شك أن عملاً مثل البؤساء لا ينسى. وكيف أنسى عمل كتبت فيه أطول مراجعة لكتاب! لكن وبما أني أصب هذه الكتب في تلك المنطقة التي يقول عليها زوسكيند فقد شبعت تلك المنطقة من  هيوغو لعدة أسباب. أولها، يظهر لي أن هيوغو كان يتطور بشكل ملحوظ، فالأعمال لديه ترتفع بشكل تصاعدي حتى وصل القمة مع “البؤساء” فاستطاع أن يوفق بين شاعريته وأحداث الرواية. فالبؤساء محرك جبار، تعمل كل جزيئاته بشكل منتظم وساحر من أول كلمة لآخر كلمة. وهذا انبطاع ملتصق معي منذ قرأت هذا العمل قبل سنتين تقريباً. في عمله “الرجل الضاحك” لم استطع أن أتجاوز المنتصف بعد ما صبرت كثيراً على “اللّت والعجن” في مشاهد الرواية. أتفهم أن يكون المشهد طويلاً وتفصيلياً جداً، في حال كنت تريد تسجيل انطباعاً بداخلي للمشهد، أي بأن ترسخ، فأنت تريد بكل هذه الصفحات أن ترسمها بشكل دقيق جداً. إلا أن هيوغو ليس هذا مقصده، بل كان يحاول أن يرينا عضلاته السردية، والمطعمة ببعض الشعر الجميل، المليئة بالهراء. رواية بحجم ٩٠٠ صفحة تنتصف بها. لا تجد أنك خرجت سوا بهراء وبعضاً من اللقطات الشعرية التي لا تتجاوز الصفحة الواحدة. لا أدري إن كانت جاءت مصادفة معه في عمله “عمال البحر” بأن تكون أغلبية الرواية عن معاناة بطلها مع تلك السفينة الملعونة التي قاتل صاحبها من أجل انقاذها بعد ما كان هيوغو يتفنن بشكل جلي على أن يخبرنا بالتفاصيل، أي على سبيل المثال: المسمار الثالث في زاوية السفينة والمثبت من أجل المقود قد انحل، وكان يجب اصلاحه. ثم يُصلح ثم ينحل ثم يصلح .. الخ. وهكذا دواليك مع الرواية، تشعر بأنك خسرت كيلوات وأنت تقرأ. ثقل عجيب مع ثقل الموقف ورعبه لبطل الرواية وهو يصلح تلك السفينة وحيداً. في النهاية نجت السفينة ونجح البطل في مراده. وهنا استطيع تفهم هيوغو لأن النهاية جعلتنا كلنا نستطعم المعاناة بشكل حقيقي جداً. وهذا الثقل في الوصف والاعادة في كل مرة لمقاطع تتشابه بعضها ببعض لها ما يسوغها. بينما يخطأ هيوغو في أغلب رواية “الرجل الضاحك” بأن يستخدم الأسلوب نفسه على مواقف متعددة وليست واحدة! وهنا الاختلاف الحقيقي. “أحدب نوتردام” يختلف الأمر، فأول ثلاثة فصول، هي من أروع ما تقرأ .. مشهد واحد، وصف لسويعات من الزمن في باريس في منتصف القرن الخامس عشر، من أجمل ما تقرأ حقيقةً، وإذا بهيوغو يختل، وتعود الفصول التي تليها بشكل مهترئ جداً افتقد معها هيوغو مساره. وهنا لا استغراب فمن يعلم بأن الناشر كان يلح على هيوغو باستمرار للانتهاء من هذه الرواية، وبعد وعود تأجيلية لسنتين، سلمها هيوغو، سيعرف أن النص مختل لهذا السبب.

- 2 -

لا يوجد الكثير ليقال عن أفلام النوار. إلا أن لها سحرها الخاص بطابعها في تقديم الجريمة بشكل فني لا يقبل فيه المخرج إلا أن يشكل شخصياته بين الأبيض والأسود. لا مناطق رمادية في أفلام النوار، ولذلك لعب المخرجون بالضوء والظل. كما أن طريقة عرض الجريمة التي اشتهرت “بالفلاش باك” هي من أجمل ألعاب هوليوود التي استطاعت أن تقدم لنا الجريمة بأسلوب ما زال ممتع ومبهر حتى مع تقدم أساليب السينما. المرأة الجميلة، والمحققين المتحذلقين، والمجرمين الأغنياء. أبرز عناصر أي فلم من أفلام النوار. المدخل للفلم، اما بانتحار أو جثة ملقية في مسبح، أو حتى جريمة قتل عن طريق استخدام المسدس. ثم النهاية، بالبكاء، أو بعبارات متحذلقة مع فتح النوافذ لشروق الشمس من قبل المحقق دلالة على انجلاء الظلام، أو الخيبة والانفضاح. رغم وضوح كل هذا، إلا أنه ادمان حقيقي. لم استطع الخروج من موجة أفلام النوار، لها لذتها لمشاهد كسول مثلي يعرف أن كل شيء يريده للحصول على المتعة كامن فيها: من حوارات الذكاء فيها مصطنع ، وصور ساحرة بالأبيض والأسود، وقصص مثيرة. أجمل ما شاهدته من مجموع النوار هو: Mildred Pierce ويكفي هذا الفلم مشهد البداية:

- 3 -

لغة الفلاسفة والمفكرين الفرنسيين المتأخرين مرهقة. ففعلياً ما اقرأه لتزفيتان تودوروف أو لبوديار أو دريدا وبارت .. الخ. هو بشكل التالي: فهؤلاء لا يستطيعون قول أحبك بشكل مباشر. لكنهم يستطيعون قول أن هناك شيء لا متناهي بداخل كل منّا يريد أن يندمج مع لا متناهي آخر، فتبحث الأولى عن الأخرى حتى يحدث اللقاء فتضطرب، حسب الأنثروبولوجيين، كلتا الموجتين اللا متناهتين فيحدث الحب. هراء تعبيري رغم القيمة الفكرية. وأعتقد أنه انسداد واضح للأفق لدى بعضهم تأثر به غيرهم. فلا عجب أن دريدا يريد أن يفكك المعنى من دلالته. فهذا انسداد لغوي، ضروري أحياناً لكنه عبثي في مطلقه. انسداد في اللغة لدى دريدا، كما هو انسداد روحي وتاريخي وسياسي لدى سيوران. لا أقلل من قيمة المعلومة، بتاتاً، لكني أسخر من طريقة التعبير المتعبة. وكل هذا – وأنا اعتذر عن الكلام الكثير السابق – إلا لأني قرأت كتاب بوديار “المصطنع والاصطناع”. كتاب ذكي، ونقده للأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية وحتى الدينية عبقري ويستحق الاطلاع. كان يريد في كتابه هذا أن ينفي القيمة الحقيقية لكل الأشياء، حتى من الثقافة ومن الفن والفلسفة، لأنها وصلت لانسداد. مرة أخرى الفرنسيين وانسداد الأفق. الفلسفة ذاتها تحدث عنه عالم الاجتماع البولندي زيجمونت بومان، لكنه جعل القيمة سائلة، وجعل كل شيء سائل لا وجود لمرجع سابق أو حالي.والمسببات هي نفسها لدى الاثنين، ويستطيع المرء الرجوع إلى كتاب بومان “Liquid Modernity”  والفكرة بين الاثنين عن قيمة الأشياء ومعانيها وتلاشيها واحدة ومتقاربة لحد كبير في نظري. إلا أن بومان كان يملك أسلوباً في التعبير أوضح. كان يقول أحبك بشكل واضح. بدون أي تلاعب باللغة، وإن كان بوديار يملك حدة ذكاء أكبر من بومان.

“أميركا” كافكا

يا سيدي أقسم لك بأن هذا التشابه يحدث في أي وقت بين أي كاتبين بدون أن يعلما. هل من المعقول أن استعارة “السماء تبكي” لم يستخدمها إلا كاتب واحد؟ ثم لماذا نقرأها تكراراً لعدة كتاب وشعراء وروائيين أو سمهم ما شئت؟ لماذا لم تُسجل لأول من استخدمها كحق من حقوقه . . أنت تقول .. نعم .. نعم .. انتظر سأجيبك. صحيح هناك سرقات أدبية لا شك في ذلك، لكني أقسم لك أني لم أسرق من أب هؤلاء شيئًا. أعترف بأنه كاتبي المفضل، وأعترف أني قرأت كل كتبه، بل وأحرص على أن أملك ما يعاد طباعته بطبعات فاخرة، فأنت تعلم وأنتم يا سادة (يلتفت إلى أبناء الكاتب المرحوم) أني متأثرٌ بأبيكم جداً، بل وأحبه جداً  رحمه الله رحمات كثيرة في هذه الساعة. ولكن لا يمكن تصور اتهامي بأن أسرق شيئاً له، كيف ذاك، وهو أشهر من نار على علم . . هنا؟ أنا سرقته هنا، سأريكم .. هذه الصفحة رقم مائة وعشرون في كتاب أبيكم والتي تزعمون بأني سرقت منها .. يقول أبيكم، في قصيدته “سماء حمراء” وآه ما أجمل ما كتب:

السماء تشعر بالخجل..

حمراء كلون الورد الأحمر ..

ترسل خيوطها إلى الجبال ..

فتختبئ خلف ستارة سوداء.

ما أرق هذا الوصف، ولا أدري كيف تتهمونني بأنني سارق له؟ ولكن لننظر ما كتبت أنا في قصيدتي الأولى والتي تقولون بأني أخذتها من قصيدة أبيكم ولاحظ سيدي الوزير أن عنوان قصيدتي مختلف تماماً حيث أسميتها “زرقة”:

سماء تشبه البحر..

بلونها، بشكلها، برائحتها ..

تستريح بثقلها خلف الجبال..

فتنام بثوبها الأسود.

بالله عليكم كيف لكم أن تقارنوا قصيدة أبيكم بقصيدتي؟  شتان بين الثرى والثريا .. تقولون أني استخدمت السماء والجبال في نفس الشطر من القصيدة؟ وماذا في ذلك؟ يا سادة أنتم مثقفون، فكيف بوزير للثقافة وأبناء شاعر وكاتب مرموق مثلكم لا يعرف مثل هذا التشابه الذي قد يحدث بين أي شاعرين! ثم لنفرض أني استخدمت الكلمة في نفس المكان، ألم تعرفوا عن الشاعر المعروف الذي كان صديقاً لأبيكم وكيف لطش من الشاعر الألماني المشهور ما لم يلطشه أي إنسان من قبل! بل إن له كتاب كامل يحمل عنواناً يتطابق تماماً مع كتاب لذاك الكاتب الالماني. ثم هل يمكننا بأن نقول بأنه ليس بشاعر؟ إن أكثر مثقفينا يحفظون ويقرؤون من شعره. فلماذا لم تتهموه بمثل ما تم اتهامي أنا الذي دشن أول ديواناً له. وغداً سيكتب الصحفيون عني بأني سارق، فلا يبقى لي أملٌ في أن يقرأ الناس قصائدي بعد اليوم
. يا سيدي الوزير، فلنفرض جدلاً، أني سرقت .. ألم تقل أنت بنفسك في ذاك اللقاء التلفزيوني قبل عدة أشهر أن الشاعر الجيّد والكاتب الجيّد هو من “يستطيع السرقة بذكاء”. هل تعتقد بأنني غبي لأنني لم أسرق بشكل جيّد؟ هل تعتقد أنت الذي في نفس اللقاء كنت تبشر بالشعراء الشباب وذكرت اسمي منهم.. أأنا غبي لهذه الدرجة لأسرق شعر أشهر شعرائنا بهذا الشكل الفاضح؟ فنحن أمام أمرين: إما أني سارق غبي، وإما أني شاعر بكل ما تحمله كلمة شاعر من معنى. ولكم القرار يا سادة.

القصة لا علاقة لها بكافكا..  بل هي من نسج خيالي. والآن الحديث سيكون مع رواية كافكا:

* * *

Amerika

يوقع بنا كافكا في حيره لذيذة تجاه رواياته. لأن جوهرها عصي على الفهم، مما يجعلها عصية على التفسير بشكل واضح. صحيح أن كل نص قابل للتفسير بعدة أشكال مهما كان وضوحه. إلا أن كافكا يرمي بنا في كل جهة، وتستطيع معرفة ذلك من قراءة ما كُتب عن روايات كافكا. عمل “أميركا” ساحر .. لذيذ .. وخارق. لأن في هذا النص شيء من البراءة. من السذاجة كما يصفها موزيل. عمل سريالي أحياناً لا في الصورة السينمائية التي يقدمها كافكا في “أميركا” لكن سريالي في أنه يهتم بالحدث ثم ينتقل من الحدث إلى التفاصيل ويعطيها نفس الأهمية. من وصف المكان باختزال إلى التحوّل بشكل مفاجئ لوصف كل صغيرة وكبيرة. الأمر نفسه مع شخوص كافا خصوصاً شخصية كارل التي تحمل شيء من السذاجة. ولأعطي تفصيلاً أكثر من سذاجة كارل التي لا يمكن بتاتاً أن يجيدها غير كافكا، لأن حتى أبله دوستويفسكي على سبيل المثال لم تكن لديه سذاجة وبراءة كارل في أميركا. وفي الموقف الذي سأذكره الآن من رواية “أميركا” شيء من هذا السحر الكافكاوي:

توقفوا أثناء اليوم مرة عند أحد المطاعم، وجلسوا خارجه في الهواء الطلق، إلى مائدة بدت لكارل وكأنها قد صنعت من الحديد، واكلوا لحماً مسلوقاً كان من الصعب تقطيعه إلى شرائح، فكانوا يفرمونه بسكاكينهم وشوكاتهم، وكان الخبز مصنوعاً على هيئة أسطوانة، وقد انغرزت في كل من الرغيفين سكين كبير، وقد ضمت الوجبة أيضاً خمراً أسود اللون يحرق الحلق، إلا أن ديلامارش وروبنسون كانا يستسيغان شربه، وقد ظلا يرفعان كوبيهما بعديد من الانخاب، ويقرعان الكوبين عالياً في الهواء من حين لآخر، وإلى مائدة مجاورة كان يجلس بعض العمال في قمصان صفراء، يتناولون نفس الشراب، وكانت العربات تمر من أمامهم بأعداد كبيرة، وتثير الغبار فوق المائدة، وكانت صحف كبيرة توزع على الجالسين، وتثور مناقشات حادة حول اضراب قام به عمال البناء، وكان اسم “ماك” يتردد كثيراً  في خلال تلك المناقشات وتساءل كارل عن صاحب الاسم، وعلم انه والد “ماك” الذي يعرفه، وانه أكبر مقاول للمباني في نيويورك، وقيل أن هذا الاضراب قد يكلفه عدة ملايين وانه يهدد وضعه المالي بالخطر، ولم يصدق كارل كلمة واحدة مما كان يقوله هؤلاء الناس المضللون، الحانقون.

وقد افسد استمتاع كارل بتلك الوجبة قلقه لفكرة دفع ثمن تلك الوجبة بأكملها، وأيهم سوف يدفع وكان من الطبيعي في رأيه ان يدفع كل منهم ثمن وجبته فقط، الا أن ديلامارش وروبنسون كانا قد أشارا عرضا إلى أن اجر مبيتهما عن الليلة الماضية قد افرغ جيبيهما، ولم يكن لديهما ساعة أو خاتم أو أي شيء ليبيعاه. ولم يستطع كارل أن يواجههما بأنهما كانا قد احتجزا لنفسيهما حانبا من ثمن بدلته فقد كانت مواجهتهما بذلك تعد اهانة، وفراقا إلى الأبد.

الا أن ما أثار دهشة كارل أكثر هو أن ديلامارش وروبنسون، لم يزعجا نفسيهما بأمر الدفع، بل على العكس كانا في حالة معنوية مرتفعة، حتى أنهما راحا يحاولان مغازلة الجرسونة التي كانت تتحرك في خيلاء متبخترة من مائدة إلى أخرى، وكان شعرها يتهدل على كتفيها، وفوق حاجبيها وخديها، فكانت ترميه إلى الخلف بيدها، حتى تقدمت أخيراً نحو مائدتهم، فظنا انهما سيفوزان منها ببعض الكلمات الودية، لكنها وضعت يديها فوق المنضدة، وتساءلت: “من الذي سيدفع؟” فأشارت يدا ديلامارش وروبنسون بغاية السرعة إلى كارل، ولم يفاجأ كارل لأنه كان يتوقع ذلك، ولم يجد بأساً من أن يدفع مرة حساب رفيقيه اللذين ينتظر منهما المساعدة بدوره، على الرغم من انه كان يفضل بالطبع لو ناقشا معه الأمر بصراحة قبل اللحظة الحاسمة وشغله كذلك أمر اخراج النقود من جيبه السري، فقد كان ينوي الاحتفاظ بنقوده لتنفعه في حالة الاحتياج البالغ ولكي تنفعه الآن أيضاً فيتمكن من أن يبدو ندا لصديقيه، كان التفوق الذي يتفوق به عليهما لامتلاكه هذا المال، واخفائه كذلك عنهما، يبدو في وضوح تفوقا راجحا، لانهما على عكسه، كانا قد عاشا في أمريكا منذ طفولتهما، ولأنهما كانا يتمتعان بالمهارة الكافية والخبرة التي تعينهما على كسب المال ولأنهما لم يتعودا على حياة أفضل من الحياة التي يمارسونها الأن. ورأى كارل أن خطته في التوفير يجب ألا تتأثر لاضطراره إلى دفع الحساب الآن فيمكنه ببساطة أن يستغني عن ربع دولار، يضعه أمامهما فوق المنضدة، ويخبرهما بأنه هو كل ما يملك، وانه كان ينوي أن يقتسمه معهما في طريقهم إلى باترفورد. ذلك أن ربع دولار يكفي جداً لرحلة على الأقدام، إلا أنه لم يكن يدري هل كان ما يحمله من العملات الصغيرة يكفي حتى يخرج من بينها الربع دولار. ولقد كانت العملات الصغيرة التي يحملها موجودة على أية حال في تجويف جيبه السري هي أيضاً إلى جانب أوراق البنكنوت، وكان من الصعب أن يخرج ما يريده دون أن يفرغ كل محتويات جيبه فوق المنضدة ولم يكن يريد أن يعرف رفيقاه شيئاً عن الجيب السري على الاطلاق وبدأ صديقاه مشغولين رغم ذلك لحسن الحظ بأمر الجرسونة، دون أن يشغلهما مطلقاً بالطبع كيف سيتمكن كارل من اخراج النقود لدفع الحساب، وكان ديلامارش وقد مد يده وسحب الجرسونة بينه وبين روبنسون متعللاً بأن عليها أن تكتب فاتورة الحساب، فلم يكن أمامها لكي تتخلص من توددهما العنيف إلا أن دفعت وجهيهما بعيداً بباطن راحتيها، عندئذ جمع كارل وهو يتصبب عرقاً بإحدى يديه تحت المنضدة قطع النقود التي تحسسها، واخرجها من جيبه السري قطعة بعد قطعة بيده الأخرى.

وظن بعد فترة طويلة، لأنه لم يكن قد اعتاد بعد على العملة الامريكي، انه قد اخرج من قطع العملة الصغيرة ما يساوي المبلغ المطلوب، فوضعها فوق المنضدة، ووضع رنين النقود فوق المنضدة في الحال حدا لمعاكستهما للجرسونة، واتضح لشدة غيظ كارل ولدهشة الجميع ان دولاراً كاملا قد وضع فوق المائدة. ولم يتساءل أي منهما لماذا لم يذكر كارل شيئاً عن هذه النقود التي كانت تكفي لدفع اجر رحلة مريحة لثلاثتهم بالقطار إلى باترفورد، إلا أن كارل شعر بالارتباك الشديد لخطئه رغم ذلك، واعاد كارل بقية النقود إلى جيبه بعد دفع الحساب إلا أن ديلامارش كان قد اختطف من بين اصابعه احدى قطع العملة، واعطاها كبقشيش للجرسونة التي احتضنها بيد بينما ناولها قطعة العملة بيده الأخرى.

هذا المشهد رغم بساطته إلا أنه من أكثر المشاهد التي غرزت في مخيلتي من رواية “أميركا” حيث تظهر لنا سذاجة كارل الشديدة في كونه كان سيدفع الطعام بالطبع، ولكن لو “ناقشا الأمر معه بصراحة” لدفع من طيب خاطر، فهو بدون  شك سيقوم بالدفع، لكن مطلب الحديث عن أمر الدفع كان سيجعل الأمر هيناً أكثر على كارل. وهكذا يسير بنا كافكا إلى أدق التفاصيل التي تكون عسيرة في أن ندونها أو نسجلها، فعدم العدالة أو لنسميها سوء الفهم بين الشخصيات إلى هذه الدرجة من “لو ناقشا الأمر معه صراحةً” سيستمر، لدرجة يتعرض كارل بسذاجته إلى ظلم شديد، إلى مصائب، لكن لا يستطيع اثبات أنه على صواب، فلو فهم بالشكل الصحيح من قبل الآخرين لوجدوا فيه تلك الطيبة والبراءة التي هو عليها، وهذه طبعاً في نهاية الأمر تعود لا إلى ذكاء كافكا فقط، بل إلى تركيبته الشخصية هو. وأجمل وصف قرأته ويمكن أن نرى انعكاسه على روايات كافكا وحتى على المقطع السابق الذي نقلته هو وصف موزيل والذي ينطبق على أغلب روايات كافكا: إنها سذاجة متعمدة ومع ذلك لا تحوي شيئاً مما يضايق من السذاجة، إذ إنها سذاجة صحيحة، وهي في الأدب شيء غير مباشر، معقد، مكتسب، إنها حنين، مثل أعلى. … شعور من صلوات أطفال منفعلة وتملك شيئاً من الحماسة القلقة لدى كتابة وظائف مدرسية متقنة.”